ومن المحزن أن العالم الإسلامي على سعته وامتداده لم يعرف-ومنذ قر نين من الزمن وحتى اليوم_ إلا القليل من المفكر ين من أصحاب الدعوات الذين استطاعوا أن يتركوا بصمات تجديدية قوية و واضحة على مجمل الفكر الإسلامي العام.
وقد يمر العقد والعقدان والثلاثة قبل أن نحظى بمفكر إسلامي جيد، غير أننا نحظى في الحقبة الزمنية نفسها بعشرات وربما بمئات من الوعاظ الجيدين.
ولا أحد يستهين بأهمية الوعظ والوعاظ وبما يمكن أن يتركوه من آثار حسنة على أخلاقيات الناس وسلوكياتهم، إلا أن نهضة الإسلام الحضارية- وكأي نهضة أخرى- لا يصنعها الوعظ والوعاظ، بل يصنعها الفكر والمفكرون.
فالمفكر الذي يعجز عن تحريك نوازع التفكير التجديدي في أذهاننا مفكر فاشل حتى لو كانت مؤلفاته تملأ رفوف مكتبة كاملة. وفي الأعمال الفكرية الرصينة لا يهمنا الكم بقدر ما يهمنا الكيف، فقد اشتهر مفكرون من الشرق والغرب بعمل يتيم واحد أمضوا سنوات عدة في تأليفه ثم خر جوا به إلى عالم الفكر والثقافة- بعد غياب طويل- فأحدثوا به من التأثير في الأذهان والأرواح ما ظل مقرونا بأسمائهم حتى يومنا هذا.
4- النورسي المجدد
والإمام النورسي رحمه الله، واحد من هؤلاء المفكرين المجددين ممن حاز جملة من أبرز ما ينبغي للمفكر المجدد أن يتميز به مما أتينا على ذكره في صدر هذا الكلام، فقد بلغ مجموع ما ألفه من "رسائل النور " عشرة مجلدات يمكن اعتبارها كتابا واحدا، لأنها وإن كانت متعددة الاهتمامات غير أنها تصب في الأخير في اهتمام واحد هو " الاهتمام الأم " تتشعب منه وتعود إليه وهو "الإيمان " الذي كان من اكبر همه تعزيز مواقعه في الذهن والوجدان، وتبديد الشكوك والأوهام المعششة في أدمغة أولئك الواقفين في الجانب الضد من الإيمان والإسلام.