تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالإسلام ليس دينا سكونيا جامدا خاليا من طاقات تحريكية للأذهان والأرواح كما يريد البعض وصمهُ، أو أنه خاو من أي نوازع إبداعية وابتكارية، وقدرة على مطاولة الزمن ومواكبة الجديد من شؤون الحياة والفكر.

وهذه مزاعم باطلة تدّل على نظرة سطحية مبتسرة غير متعمقة للإسلام، كمنْ يرى سكون البحر من الخارج حين يسكن وينسى فوران أعماقه بالحياة ، وفوران باطنة بالمثير من القدرات والطاقات والكنوز والثروات، فكما أنه لا سكونية للروح المتدفقة بأسباب الحياة، فكذلك لا سكونية للإسلام لأنه روح الأرواح كما يقول عنه القراَن : ( وكذلك أوْحيْنا إليْك روحا منْ أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكنْ جعلْناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم )(الشورى:52) . والروح خارق عظيم للزمان و المكان، وطاو يطوي الزمان والمكان تحت جناحيه ولا يطويانه والروح شعلة حياة فوارة موارة، تتفجر بعوامل الخلق والإيجاد، والمحو والإثبات والروح بعد ذلك قوة جبارة قهارة، ونار محرقة لهشيم الضعف البشري، والجمود الذهني ،و الخمود النفسي. هكذا هو الإسلام في حقيقته وجوهره، وما يتراءى على سطحه من سواكن فهو كسكون الرواسي الثوابت، تبدو للرائي وكأنها كتل ثقيلة مصمتة غارقة في سكينة وقور، بينما تثور أعماقها بالحمم واللهب، ومصهور الحديد و الذهب، يقول جل شأنه:

( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) (النمل: 88) ، وكما أن الجبال هي أوتاد خيمة الأرض تمسكها وتحفظها من الانفلات والتطاير في الفضاء كما يقول الجغرافيون، فكذلك ثوابت الإسلام هي الرواسي العقيدية التي تشد الإسلام ولا تتركه ينفلت في فضاءات العالم دون ضوابط تنظم حركته، وترسم أمداء منطلقه.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٥٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٥٠٦