تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد بلغ من شغفه بالتجديد حدّا جعله يثور على نفسه، ويلقى بها في مهاوي الموت ، ولم يكد ينفض يديه من تراب قبرها حتى استقبل مكانها نفسه الجديدة الناهضة من بين رفات نفسه القديمة، بفكر جديد، وروح جديد، وآمال ومطامح جديدة، وفي معرض إشارته إلى هذا التحول العظيم، والتغير الجريء في حياته وفكره، وللتفريق بين عهدين وزمانين من حياته ، يستعمل اصطلاح "سعيد القديم " إشارة إلى أفكاره القديمة المقبورة، و" سعيد الجديد " إشارة إلى أفكاره الجديدة التي اعتمدها وبشّر بها في رسائله.

وفي هذا الصدد يقول " النورسي ":

" اعلم أنّ البطالة والسكون والتّعطّل والتّوقّف والاستمرار على طراز لا يتغير من الحياة في الإنسان هو نوع من أنواع " العدم ". والعدم ألم محض، وشرّ صرف، لا يمكن التخلّص منه إلاّ بالصيرورة والتغير والحركة.

ومن هنا كان في الحركة والفاعلية لذّة عظيمة ، والتحول من شأن إلى شأن خير غزير ، ولو كان هذا التحول من "اللاّ ألم" إلى الآلام والمصائب.

فالتأثرات والتألمات حسنة من جهات ، وقبيحة من جهة ، فالحياة التي هي نور "الوجود" تتصّفى ات ، وتنصقل وتتهذّب بالتألمات التي تحرك قوى الإنسان الجسمية والروحية القابلة للآلام ومُساكنة الاوجاع ، وبذلك تتجدّدُ النفس ، وتنتعش الروح ، وينشحذ الفكر ، وهذا هو الوجود الحق .. " .(1)

وكذلك يرى-أي النورسي - أن الإنسان إنما هو صيرورات دائمة لا تتوقف لمحة واحدة ، تجري مع تيار الزمن فيحدث فيه من التغيير لحظة بعد أخرى ما يحدثه في كل الأشياء التي يمُرُّ بها، أو يمرُّ عليها، فالإنسان إنما هو بناء هذه الملاين من البُرهات التي مرت به وصيّرت تكويناته النفسية والبدنية ، لذا ورد في الحديث :

( جدّدوا إيمانكم بلا آله إلاّ الله )(2) أي مع كل ما يمرُّ بكم من جديد الزمن.

-3-

(1) النورسي – مختارات من المثنوي ص 68 اختيار وتقديم كاتب هذه السطور.

(2) المسند 2 / 359 رقم الحديث 8695.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٥٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٥٠٥