تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أين منهم مَنْ أضناه البعاد، وأسهده طول الانتظار؟ وأينَ مَنْ يظمئ نهارَهُ، ويُسْهِرُ ليلَهُ، من اجل رضى الله الذي بيد رحمته مفاتيح الجنان؟

والمسلمون كلهم ـ إذا خاطبتهم ـ مؤمنون بالنار، ولكن أين الخائفون المرتعبون منها؟ أين الذين ترتعد فرائصهم من هول عذابها؟ وأين الذين يحسّون وكأنهم مواقعوها بين لحظة وأخرى؟ فيسألون الله النجاة منها، والخلاص من سعيرها بما يرضاه الله من تقواهم وصالح أعمالهم..؟!

ولمَّا كانت الموجودات في هذه الدنيا ـ كما ينظر إليها "النورسي" ـ هي أمثلة مصغرة لوجود أخروي كبير، وأطياف خيال لحقيقة أخروية أعظم، وأشباحاً باهتة لرؤى فكرٍ أخروي غاية في السَعَة والشمول والدقة والعظمة، لذا فإن كل موجود هنا في عالمنا الصغير هذا موصول بما يناظره هناك، وكلُّ معنى هنا مرتبط بمعنى أسمى وأعظم هناك، فالدنيا مرتبطة بالآخرة، وحبُّ البقاء والكمال عند الإنسان هنا يؤكد معنى الخلود والبقاء والكمال هناك، والصُّورُ الذي ينفخ فيه الربيع ليبعثَ من الأجداث مئات الألوف من أنواع النبات والحيوان والحشرات كلَّ سنة، إيماءة واضحة لصُور أكبر، وحشر أعظم يوم القيامة، والحافظة في مُخّ الإنسان وهي بحجم حبّةِ خردل، والتي تحتفظ بشريط مسجل لماضي الإنسان وما وقع له من أحداث، هي مثال مصغر لحافظة أخروية أوسع واكبر تحفظ سجلاً كاملاً لتاريخ حياة الإنسان على هذه الارض، ليعرض عليه في الآخرة عند مناقشته الحساب.

وليس "النورسي" صاحب قلم بارد يغمسه في مداد فكر بارد، ليكتب ما يشاء وقتما يشاء، إنما هو المعاناة الجريحة المدَّماة التي تنزف فكراً فيه حرارة الروح، ودفء القلب، وإنما هو السحابة المثقلة بماء الحياة والتي لا يدري أحدٌ متى تبرق وترعد وتغيث، وإن شئتَ فاستمع إليه حيث يقول في وصف حاله عندما كتب "مثنويه"

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٥٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٥٠٠