وفي المناجاة الآتية يحشد "النورسي" مفردات كونية ذات دلالات عميقة تلفت الانتباه إلى الشمولية التي تطبع فكره ووجدانه، فيقول:
"سبحانك يا من أنطق السماء بحمده وتسبيحه بكلمات النجوم والسيارات.
ويا من انطق الأرض بحمده وتسبيحه بكلمات الأشجار والنباتات..
وانطق النبات والشجر بكلمات الأزهار والثمرات..
وانطق الزهر والثمر بكلمات البذور والنواتات..
وانطق النواة والبذر بلسان السنابل وكلمات الحبات..
سبحانك يا من يسبح بحمدك الضياء بأنواره، والهواء بإعصاره، والماء بأنهاره، والأرض بأحجاره، والنبات بأزهاره، والشجر بأثماره، والجو بأطياره، و السحاب بأمطاره، والسماء بأقماره.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبراس (1) الأنبياء، وزبرقان (2) الأصفياء ونيّر (3) الأولياء، وشمس الثقلين، وضياء الخافقين. وعلى آله نجوم الهدى، وأصحابه مصابيح الدجى" (4).
9 ـ إيمان بلا شوق إيمان بلا حياة
"إنَّ "إيماناً" لا تذكي جَذْوَتَهُ الأشواقُ إلى الله، ولا تُلهبُ حماسَهُ لوعةُ الحنين إلى جمال "الآخرة" ولا يُوري زِنَادَهُ عطشٌ دائمٌ إلى الخلود والبقاء، هو إيمان تقليدي بارد، واعتقادٌ هَشٌ سريعُ التّفتُّتِ والانكسار، تستهدفه سهامُ الأعداء أول ما تستهدف، وتتناولهُ معاول الخصوم أول ما تتناول،
فالمسلمون كلهم ـ إذا حاورتهم ـ مؤمنون بالآخرة، ولكنَّ القليل منهم مَنْ يشتاقُ إليها شوق العاشق الولهان الذي لا يتردَّدُ ـ إذا جَدَّ الجدُّ ـ أن يجعل "دنياه" كلَّها صِداق وفائه، وعربون إخلاصه، وأن يقدِّم حياتَهُ فرحاً بيوم لقائها وساعة وصالها.
والمسلمون كلهم ـ إذا ساررتَهُمْ ـ مؤمنون بالجنة، ولكن أين الذائبون فيها؟ والملهوفون عليها؟
(1) النبراس: المصباح.
(2) بكسر الزاي والباء : أي القمر.
(3) بفتح النون وتشديد الياء: المقصود الشمس.
(4) المثنوي العربي النوري ص 334