تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تُرى مَن غيرُ خالق السموات والأرضين يعرف خلجات قلوبنا، ومَن غَيرُه يعلم خفايا صدورنا، ومَن غَيرُه قادر على إنارة المستقبل لنا بخلق الآخرة، ومَن غيرُه يستطيع أن ينقذنا من بين ألوف أمواج الدنيا المتلاطمة بالأحداث؟!. حاش لله وكلا أن يكون لنا منجٍ غيره ومخلّصٍ سواه، فهو الذي لولا إرادته النافذة ولولا أمره المهيمن لما تمكن شيء أينما كان وكيفما كان أن يمد يده ليغيث أحداً بشيء!.

فما دامت هذه حقيقة وضعنا فما علينا إلاّ أن نرفع اكفّ الضراعة إليه سبحانه متوسلين، مستعطفين نظر رحمته الربانية الينا، اقتداء بسر تلك المناجاة الرائعة التي سخّرت الحوت لسيدنا يونس عليه السلام كأنه غواصة تسير تحت البحر، وحولت البحر متنزها جميلا، وألبست الليل جلباب النور الوضيء بالبدر الساطع. فنقول: ( لا إله إلاّ أنتَ سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظالمين) . فنلفت بها نظر الرحمة الإلهية إلى مستقبلنا بقولنا: (لا إله إلاّ أنتَ). ونلفتها إلى دنيانا بكلمة: (سبحانك) ونرجوها أن تنظر إلى أنفسنا بنظر الرأفة والشفقة بجملة: (إنّي كنتُ من الظالمين) كي يعم مستقبلنا نور الإيمان وضياء بدر القرآن، وينقلب رعب ليلنا ودهشته إلى أمن الأنس وطمأنينة البهجة. ولتنتهي مهمة حياتنا ونختتم وظيفتها بالوصول إلى شاطئ الأمن والأمان دخولا في رحاب حقيقة الإسلام، تلك الحقيقة التي هي سفينة معنوية أعدّها القرآن العظيم، فنبحر بها عباب الحياة، فوق أمواج السنين والقرون الحاملة لجنائز لا يحصرها العد، ويقذفها إلى العدم تبدل الموت والحياة وتناوبهما الدائبين في دنيانا وارضنا، فننظر إلى هذا المشهد الرهيب بمنظار نور القرآن الباهر، وإذا هو مناظر متبدلة، متجددة، يحول تجددها المستمر تلك الوحشة الرهيبة النابعة من هبوب العواصف وحدوث الزلازل للبحر إلى نظر تقطر منه العبرة، ويبعث على التأمل والتفكر في خلق الله. فتستضيء وتتألق ببهجة التجدد ولطافة التجديد. فلا

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٤٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٤٨٤