تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليلنا الذي يخيم علينا، هو المستقبل.. فمستقبلنا إذا نظرنا إليه بنظر الغفلة يبدو مظلماً مخيفاً، بل هو أحلك ظلاماً وأشد عتامة من الليل الذي كان فيه سيدنا يونس عليه السلام بمائة مرة..

وبحرنا، هو بحر الكرة الأرضية، فكل موجة من أمواج هذا البحر المتلاطم تحمل آلاف الجنائز، فهو إذن بحر مرعب رهيب بمائة ضعف رهبة البحر الذي ألقي فيه عليه السلام.

وحوتنا، هو ما نحمله من نفس أمارة بالسوء، فهي حوت يريد أن يلتقم حياتنا الأبدية ويمحقها. هذا الحوت اشد ضراوة من الحوت الذي ابتلع سيدنا يونس عليه السلام؛ إذ كان يمكنه أن يقضي على حياة أمدها مائة سنة، بينما حوتنا نحن يحاول إفناء مئات الملايين من سني حياة خالدة هنيئة رغيدة.

فما دامت حقيقة وضعنا هذه، فما علينا إذاً إلاّ الاقتداء بسيدنا يونس عليه السلام والسير على هديه، معرضين عن الأسباب جميعاً، مقبلين كلياً على ربنا الذي هو مسبب الأسباب متوجهين إليه بقلوبنا وجوارحنا، ملتجئين إليه سبحانه قائلين: (لا إله إلاّ أنتَ سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظالمين)(الأنبياء:87) مدركين بعين اليقين أن قد ائتمر علينا - بسبب غفلتنا وضلالنا - مستقبلُنا الذي يرتقبنا، ودنيانا التي تضمنا، ونفوسُنا الأمارة بالسوء التي بين جنبينا، موقنين كذلك انه لا يقدر أن يدفع عنا مخاوف المستقبل وأوهامه، ولا يزيل عنا أهوال الدنيا ومصائبها، ولا يبعد عنا أضرار النفس الأمارة بالسوء ودسائسها، إلاّ من كان المستقبل تحت أمره، والدنيا تحت حكمه، وأنفسنا تحت إدارته .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٤٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٤٨٣