تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن خلال هذه الغربة انفتحت دائرة غربة اخرى، وهي الغربة عن موطني وأقاربي، فشعرت بغربة مفعمة بألم الفراق، إذ بقيت وحيداً بعيداً عنهم.

ومن خلال هذه الغربة ألقت عليّ أوضاع الليل البهيم والجبال الشاخصة امامي، غربة فيها من الحزن المشوب بالعطف ما أشعرني أن ميدان غربة أخرى انفتحت أمام روحي المشرفة على الرحيل عن هذا المضيف الفاني متوجهة نحو أبد الآباد، فضمتنى غربة غير معتادة، وأخذني التفكير، فقلت فجأة: سبحان الله! وفكرت كيف يمكن أن تقاوم كل هذه الظلمات المتراكبة وأنواع الغربة المتداخلة!.

فاستغاث قلبي قائلاً:

يا رب! أنا غريب وحيد، ضعيف غير قادر، عليل عاجز، شيخ لا خيار لي.

فأقول: الغوث الغوث. أرجو العفو، واستمد القوة من بابك يا إلهي!.

وإذا بنور الإيمان وفيض القرآن ولطف الرحمن يمدّنى من القوة ما يحول تلك الأنواع الخمسة من الغربة المظلمة، إلى خمس دوائر نورانية من دوائر الأنس والسرور. فبدأ لساني يردد: (حسبنا الله ونعم الوكيل) (آل عمران: 173) وتلا قلبي الآية الكريمة: (فإن تولّوا فقل حَسبيَ الله لا إله إلا هو عليه توكلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم) (التوبة:129).

وخاطب عقلي كذلك نفسي القلقة المضطربة المستغيثة قائلاً:

دع الصُراخ يا مسكين، وتوكل على الله في بلواك.

إنما الشكوى بلاء.

بل بلاء في بلاء، وآثام في آثام في بلاء.

إذا وجدتَ مَن ابتلاك،

عاد البلاء عطاء في عطاء، وصفاء في صفاء، ووفاء في بلاء.

دع الشكوى، واغنم الشكر كالبلابل؛ فالأزهار تبتسم من بهجة عاشقها البلبل.

فبغير الله دنياك آلام وعذاب، وفناء وزوال، وهباء في بلاء.

فتعال، توكل عليه في بلواك!

ما لكَ تصرخ من بلية صغيرة، وأنت مثقلٌ ببلايا تسع الدنيا.

تبسّم بالتوكل في وجه البلاء، ليبتسم البلاء.

فكلما تبسّم صغُر وتضاءل حتى يزول.

وقلت كما قال أحد أساتذتي مولانا جلال الدين الرومي مخاطباً نفسه:

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٤٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٤٧٢