إن قسماً من أهل الحقيقة يحظون باسم الله "الودود" من الأسماء الحسنى، وينظرون إلى واجب الوجود من خلال نوافذ الموجودات بتجليات المرتبة العظمى لذلك الاسم. كذلك أخوكم هذا الذي لا يعدّ شيئاً يذكر، وهو لا شئ، قد وُهب له وضع يجعله يحظى باسم الله "الرحيم" واسم الله "الحكيم" من الأسماء الحسنى، وذلك أثناء ما يكون مستخدماً لخدمة القرآن فحسب، وحينما يكون منادياً لتلك الخزينة العظمى التي لا تنتهي عجائبها.
فجميع "الكلمات" إنما هي جلوات تلك الحظوة. نرجو من الله تعالى أن تكون نائلة لمضمون الآية الكريمة: (ومَن يؤتَ الحِكمةَ فقد اُوتيَ خيراً كثيراً) (البقرة:269)"(1).
وهذه رسالة أخرى موجّهة إلى تلميذين عزيزين من تلامذته، يقول فيها:
"اخويّ الغيورين، زميلَيّ الشهمين، يا مبعثي سلواني في دار الغربة، الدنيا..
لما كان المولى الكريم سبحانه وتعالى قد جعلكما مشاركين لي في المعاني التي أنعمها على فكري، فمن حقكما إذاً مشاركتي في مشاعري وأحاسيسي.
سأحكي لكما بعضاً مما كنت أقاسيه من ألم الفراق في غربتي هذه، طاوياً ما هو اكثر إيلاماً منه لئلا أجعلكما تتألمان كثيراً.
لقد بقيت منذ شهرين أو ثلاثة وحيداً فريداً، وربما يأتيني ضيف في كل عشرين يوماً أو ما يقرب من ذلك، فأظل وحيداً في سائر الأوقات. ومنذ ما يقرب من عشرين يوماً ليس حولي أحد من أهل الجبل، فلقد تفرقوا.
ففي هذه الجبال الموحية بالغربة، وعندما يرخى الليل سدوله، فلا صوت ولا صدى، إلاّ حفيف الأشجار الحزين.. رأيتني وقد غمرتني خمسة ألوان من الغربة.
أولها: إني بقيت وحيداً غريباً عن جميع أقراني وأحبابي وأقاربي، فيما أخذت الشيخوخة مني مأخذاً، فشعرت بغربة حزينة من جراء تركهم لى ورحيلهم إلى عالم البرزخ.
ومن هذه الغربة انفتحت دائرة غربة اخرى، وهي أنني شعرت بغربة مشوبة بألم الفراق حيث تركتني اكثر الموجودات التي أتعلق بها كالربيع الماضي.
(1) المكتوبات ص 23-24