"أتدري ما سر البلاء؟.. انه طرقُ باب الفقر والاستغناء عن الناس.(1)
وحينئذٍ قالت نفسي: أجل! أجل!. إن الظلمات لتتبدد وباب النور لينفتح بالعجز والتوكل والفقر والالتجاء . فالحمد للّه على نور الإيمان والإسلام.
وقد رأيت هذه الفقرة من "الحكم العطائية" المشهورة تنطوي على حقيقة جليلة وهي قوله:
ماذا وجَدَ من فَقَده وماذا فقد مَن وَجَده؟(2)
أي: إن الذي وجده فقد وجد كل شئ، ومن فقده لا يجد شيئاً سوى البلاء.
وفهمت سراً من أسرار الحديث الشريف (.. طوبى للغرباء..)(3) فشكرت الله.
فيا اخويّ!
إن ظلمات أنواع الغربة هذه، وان تبددت بنور الإيمان، إلاّ أنها تركت فيّ شيئاً من بصمات أحكامها، وأوحت بهذه الفكرة:
ما دمت غريباً وأعيش في الغربة وراحلاً إلى الغربة، فهل انتهت مهمتي في هذا المضيف، كي أوكلكم و"الكلمات" عني. وأقطع حبال العلاقات عن الدنيا قطعاً كلياً؟
وحيث إن هذه الفكرة وردت على البال بهذه الصورة، فكنت أسألكم:
هل "الكلمات" المؤلفة كافية؟ وهل فيها نقص؟ وأعني بهذا السؤال: هل انتهت مهمتى كي أنسى الدنيا واُلقي بنفسي في أحضان غربة نورانية لذيذة حقيقية باطمئنان قلب وأقول كما قال مولانا جلال الدين:
ليت شعري هل لي أن ابحث عن غربة رفيعة سامية!.
ولأجل هذا كنت أجابهكم بتلك الأسئلة" (4).
6ـ الدعاء من سنن الكون
(1) يعني: لما قال سبحانه: "ألست بربكم" قلت: "بلى"!. فأين الشكر على قولك بلى؟ انه مقاساة البلاء! أتدري ما سر البلاء؟ انه طرق باب الفقر والفناء في الله – من هامش المترجم.
(2) هذه الفقرة (ماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدك) هي من مناجاة ابن عطاء الله السكندري، المذكورة في ختام "الحكم العطائية".
(3) اصل الحديث: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء) رواه مسلم عن أبى هريرة : الإيمان : 232 والترمذي : الإيمان 13 .
(4) المكتوبات ـ المكتوب السادس ص 29ـ32