"النورسي" روحٌ جَوَّابُ آفاق، حَوَّامٌ فوق الآكام وغوراب الجبال، وبرصانته العلوية الوقور، وبثباتة جأشه، يضع عصا ترحاله ذات مرةٍ فوق قمة جبل "جام" ويلقي بأوجاعه وآلام غربته في أحضان الطبيعة التي لا يخشى ظلمها ولا يحاذر من غدرها، إنها تحترم صمته الذي هو أبلغ من كل كلام، وبآذان جائعة تصغي إلى صلواته وضراعاته، فيؤنس بذلك وحشتها، وتؤنس هي وحشته، وتجد في جيشان روحه هِزّةُ طرب يثير وجدها، ويضرم أشواقها فتكاشفه بما انطوت عليه نفسها من أسرار الله وبما حفظه كيانها من مظاهر قوة الله وعظمته، أما دفقات حنانها فتلامس بالعزاء أرواح المكروبين، وقلوب الوالهين ، إنَّهُ ـ على الأقل ـ لم يَعُدْ يواجه في هذا المكان المنعزل صوراً من القبح في خُلِق الإنسان، وفي سلوك ذوي السلطان.
ويجدر أن نستعرض هنا إحدى رسائله إلى جماعة من خلّص تلامذته، يشرح لهم فيها ما كان يعانيه من أنواع الغربة التي تلازمه أينما حَلَّ وكيفما مضى، يقول رحمه الله:
"باسمه سبحانه
(وَاِنْ مِنْ شَيءٍْ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)(الإسراء:44)
سلام الله ورحمته وبركاته عليكم وعلى إخوانكم لا سيما... الخ
اخوتي الأعزاء!
أنا الآن في موضع، على ذروة شجرة صنوبر ضخمة عظيمة، منتصبة على قمة شاهقة من قمم جبل "جام" . لقد استوحشتُ من الإنس واستأنست بالوحوش.. وحينما ارغب في المحاورة والمجالسة مع الناس أتصوركم بقربي خيالاً، وأجاذبكم الحديث وأجد السلوان بكم. وأنا على رغبة في أن أظل هنا وحيداً مدة شهر أو شهرين، إن لم يحدث ما يمنع، وإن رجعت إلى "بارلا" نتحرى معاً حسب رغبتكم عن وسيلة لمجالسة ومحاورة بيننا. فقد اشتقتُ إليها اكثر منكم.
والآن اكتب إليكم ما ورد بالبال من خواطر على شجرة الصنوبر هذه:
أولاها: خاطرة فيها شئ من الخصوصية، فهي من أسراري، ولكن لا يُكتم عنكم السر، وهو: