"الإخلاص من العمل هو ألاَّ يريد صاحِبُهُ عليه عوضاً في الدارين، ولا حَظّاً من الملكين. وقال الجنيد: الإخلاص سرُّ بين العبد وبين الله، لا يعلمه مَلَكٌ فيكتبه، ولا شيطانٌ فيفسده، ولا هوىً فيميله. وذكر أبو القاسم القشيري وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "سالتُ جبريل عن الإخلاص ما هو ؟ فقال: سألتُ ربَّ العِزّة عن الإخلاص ما هو؟ قال: سرُّ من سِرّي استودعته قلب مَنْ أحببته من عبادي" (1).
وواحدٌ مما يحفظ عليه سرَّ الإخلاص عدم قبوله لهدايا الناس وأعطياتهم، وأوردُ هنا مقتطفات من رسالة كان قد وجهها إلى تلميذه المخلص "خلوصي يحيى كيل" خمسة أسباب لذلك، ثم يستطرد مبيناً فيقول:
"وكذا فإنَّ فيَّ استيحاشاً من الناس، لا أستطيع قبول زيارة كل شخص في كل حين، فقبول هدايا الناس يُلْزِمُني بقبول زيارتهم في وقت لا أريدها، أخذاً بمراعاة شعورهم، وهذا ما لا أحبذه.
إنني أفضل أن آكل كسرة خبز يابس، وأنْ ألبس ثوباً فيه مائة رقعة ورقعة ينقذني من التصنع والتملق، على أن آكل طيبات أطعمة الآخرين، أو أن البس أفخر ملابسهم وأضطر إلى مراعاة مشاعرهم وهذا ما أكرهه.
السادس: أي "السبب السادس":
(1) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، الجزء الثاني ص 146 ؛ القشيري، الرسالة القشيرية ص 331.