فحزنه المديد المتقد لم يستطع أنْ يَمَسَّ أغواره الإيمانية البهيجة، ولا أن يعكر صَفْوَ أفراح روحه بمكتشفاتها الماورائية المُحَجَّبَةِ.
ففي خلواته ومنافيهِ القصية فوق سفوح الجبال، وحين يبلغ الليل عنفوانه، ويَعُمُّ الهدوء وتشيع السكينة، تأتيه الحكمة في موكب مهيب من الجلال والجمال وتَحُطُّ على لسانه وتستوي على عرش فكره وقلبه، فما من ليلة من لياليه تموت خاويةً جوفاءَ تحت سنابكِ خيولِ النّهارِ البُلْقِ قبل أنْ يضمخها بعبير أذكاره، ويستودعها كنوز مواجيده وتضرعاته، فالثرثرة ولغط الحديث يصيبه بالقرف، ويملأه بالذُّعْرِ، ويحِسُّ وكأنَّه يريد أن يسحق روحه حتى الموت، من اجل ذلك فإنّه قلّما يأذنُ لأحد في الدخول عليه من أولئك الذين يهمهم الاستمتاع بمجالسته ومبادلتهم إياه الحديث، أو من أولئك الذين يتجشمون عناء سفر طويل بنية التبرك بولي من أولياء الله الصالحين.
وحتى أولئك الذين يأتون متعطشين لدروسه فإنه يحيلهم إلى "رسائل النور" باعتبارها النائبة عنه، والمتكلمة بلسانه، فمن أجل الحفاظ على نقاء الحكمة وصيانتها من التلوث بفضول القول اقتصرت لقاءاتُه على قِلّةٍ من خُلّصِ تلامذته، الذين هم في الوقت نفسه بَرِيْدهُ إلى العالم خارج خلوته أو منفاه، ينقلون إليه رسائل محبيه وتلامذته واستفساراتهم وأسئلتهم عن قضايا تشغل بالهم ويريدون أن يعرفوا رأيه فيها، ثم ينقلون ردوده عليها إليهم.
ولِعِظَمِ خشيته من أن يُخْدَشَ إخلاصه، حرص على ألاَّ يراه أحد كائناً مَنْ كان في ساعات صفوه مع الله تعالى، ومناجاته له، وهو ما يصفه رويم قائلاً: