وهذه النماذج من تضرعات "النورسي" وأدعيته التي استعرضناها آنفاً، وإنْ كانت تبنئُ عن ذاتية فردية في انبعاثها الأول، غير أنها ـ وبدون تمحل ـ يمكننا اعتبارها ذات طابعٍ دَعَوِيٍّ عام، وبقدر ما هي تضرع ودعاء فهي كذلك ذِكْرٌ وثناء، ودلائل بينات تعزِّزُ مواقع الإيمان لدى المؤمنين، وتنعي على الجاحدين والشّاكّين المترددين ما هم عليه من ظلمة القلب وجفاف الروح، وأمَّا ما تتركه على أنسجة الروح والفكر من آثار مهدئة وشعورٍ عَذْبٍ لذيذٍ فأمرٌ مجرّب يكاد يبلغ درجة التواتر كما هو في مصطلح الحديث.
فَالمُعْتَزَلاتُ، سواء منها تلكم المفروضة عليه، أو تلكم التي كان يروح إليها بإرادته، ساعدته كثيراً، وألقَتْ به على مشارف روحيةٍ عاليةٍ المرتقى، وهيأته لتلكم المكتشفات العلوية لأعمق حقائق الإيمان، فالصمت والسكينة في المُنْعَزَلِ يحفلانِ دائماً بالحكمة، ويساعدان على التأمل، ويرهفان مشاعر القلب البشري، فيهتزُّ بِحِدّةٍ لأدنى ما يَمَسُّهُ من تنزلات عوالم الغيب، حتى إنّه ليَشُمُّ روائح النفوس المُغيّيَةِ ويستلهم منها دروس الإيمان كيما تساعده للعبور من مرحلة "علم اليقين" الذي هو فيه، إلى مرحلة "حق اليقين" الذي صار إليه. وبسبب هذه اليقينية يقول ويكرر: إنَّ رسائل النور ـ ولكونها انعكاسات قرآنية ـ ليست بتصورات عقلية قابلة للخطأ والصواب. ولا هي إلهاماتٌ حَدْسِيةٌ قد تختلط بها الأوهام والخيالات، وإنَّما هي يقينيّات مجرّبة عانى صاحبها للتحقق من صدقها أهوالاً فوق ما يمكن أن تحتمله أصلاب الرجال، ولا حتى أصلاب الجبال (1).
(1) يقول النورسي في المثنوي العربي النوري ما يأتي: "لكن أقول تحديثاً بالنعمة وأداء للأمانة بأني لا أخدعكم، إنما أكتب ما أشاهد أو أتيقن عين اليقين أو علم اليقين" إفادة مرام ص 312.