رجل جعل من القرآن مصدره في التأسيس للعقائد في جانبي المنهج والموضوع، لا يمكن أن يعد متكلما حسب تقديرنا، لأن اهتمامه بالدرس الكلامي يعد عملا تبعيا لا جهدا أصليا، أي أن خوضه في علم الكلام كان عرضيا لا أصليا، فقد خاض فيه من منطلق خدمة الحقائق الإيمانية مستنبطة من القرآن الكريم، لهذا لا يمكن اعتباره متكلما وفق ما بلغنا من إنتاجه الكلامي، ومن ثمّ لا نميل إلى عدّه متكلما خالصا كما ذهب إليه بعض الباحثين(1)، وإن جاز لنا قبول ذلك فهو متكلم من نوع خاص، يتميّز بمجوعة من الميزات:
1/ علم الكلام المعتد به في فكر الرجل هو ذلك الذي يعد شفافا للقرآن الكريم وليس مانعا من الوصول إليه، يشهد لنا قول النورسي: "فما من مسألة منها إلا ويماس رأسها قدم آية من الفرقان"(2)
2/ يتجاوز مسلكه علم الكلام التقليدي الذي يحصر همه في الاستدلال العقلي، إذ جمع إليه مخاطبة القلوب، إنه جامع بين الذوق والمقاييس القلبية من جهة والمعايير العقلية في أعلى مستوياتها.
وورد عنه في بيان تلك المعاني قوله: " فمسائلها وإن حصلت لي أول ما حصلت شهودية وحدسية وذوقية، لكن لدخولي في صحراء الجنون مع رفاقة عقلي مفتوح الجفون - فيما يغمض فيه ذوي الأبصار- لفّ عقلي على عادته ما رآه قلبي في مقاييسه ووزنه بموازينه واستمسكه ببراهينه.. صارت مسائل هذه الرسائل من هذه الجهة كأنها مبرهنة استدلالية..
(1) العلامة الأستاذ الدكتور محسن عبد الحميد في كتابه النورسي متكلم العصر الحديث، يذهب الباحث أميد شمشك في مقاله أصول التفكر في رسائل النور إلى ما يشبه الرأي السابق، أنظر نص البحث في كتاب المؤتمر العالمي لبديع الزمان سعيد النورسي (تجديد الفكر الإسلامي في القرن العشرين) ، الطبعة الأولى، استانبول1996/ ص 23
(2) المثنوي العربي 206