ولاجرم أن تحول النورسي إلى التعامل مع السياسة بمنهج جديد، أو إلى الفقه الأكبر، كان الرد العملي والطبيعي على الطريق المسدود الذي رأى السياسة التغربية تنتهي بالأمة إليه :
" إلى هنا كانت حياتي طافحة بخدمة البلاد وفق ما كنت أحمله من فكرة خدمة الدين عن طريق السياسة، ولكن بعد هذه الفترة وليت وجهي كليا عن الدنيا "(1).
لقد أصبح يتبع الخدمة عن طريق الدين، وهو ما يعني رد الاعتبار الأخلاقي للسياسة كشرط بشري انطلاقا من تحكيم روح العقيدة فيها وليس العكس . مما يعني العمل على هدم السياسة الميكيافيلية ببناء السياسة الأحمدية .
ومن أجل تحقيق تلك المقاصد السامية انخرط في نهجه التنويري الخلاق، ديدنه أن يتجاوز السياسة الدنيوية الخسيسة التي كانت تمارس على يد السفيانيين، فلبث يندد بالسياسة الحاضرة، مراهنا على سياسة أخرى نقيضة لسياسة المتغربين .
ولما كان يسعى جاهدا لترقية السياسة في ضوء الدين، فقد وجد ضالته في إلغاء أسس وأبجديات السياسة المتبناة عن ثقافة الغرب النفعي واللا أخلاقي، واستبدالها بالخدمة والتوعية والتحسيس من منظور قرآني رباني عتيد، الأمر الذي كرس ظهور مشغل الفقه الأكبر، ذلك المشغل المتمثل في انقطاع تجندي صميم، وفي أداء خدمة متفانية تستهدف بناء الأمة، وفي اتباع نهج سياسة إسلامية متكاملة الأبعاد، بالغة التأثير في القلوب والضمائر لأنها تقوم على الانتماء الحر والالتزام الطوعي والانخراط التجنيدي الذاتي، ضمن روح جماعية لا تنفصل مقاصدها الفكرية والمدنية قط عن روح الأمة والدين، وبالتالي عن الإنسانية، اعتبارا لعالمية الدين الإسلامي وإنسانيته.
لقد تحولت السياسة عنده إلى التزام تربوي ومنهج تعاملي قائم على الإغضاء الذكي وعدم المواجهة، وذلك تفاديا لتكبير جبهة الخصوم ..
(1) الشعاعات 542