فعدم التنفير ولو بالتغاضي عما هو حق أحيانا إنما هو وجه من وجوه الحكمة، ومنهج سياسي يدعو إليه النورسي وينصح به الأتباع.. إذ مهمة الاتباع هي تقوية الجبهة والثبات على الحق والنهل من معينه، وهي مهام لا تتيح لهم أن ينشغلوا عنها بمناطحة الحادين عن الحق حتى ولو كانوا علماء تربطهم معهم وشيجة العلم والتحصيل. إذ أن ذلك من شأنه أن يوقع في الخصومة وتبديد الجهد بلا طائل ..
فالنورسي يوجب على طلاب النور التحفظ وعدم الوقوع في الجدل مع أي كان، لا سيما مع العلماء . حيث أنه كان على دراية بأن طبيعة المنافسة تدفع في الغالب إلى إعلان المخالفة، وذلك ما يوسع من نطاق الجبهة المعارضة .
والحال أن في الأعداء الصرحاء للقرآن وللنورانيين مغنى عن استثارة خصوم جدد يتبدد بهم جهد التركيز وتتبلبل بهم همة المضي في طريق بناء الجماعة وتوجيد البرنامج الذي ينهض به الإنسان الكامل المرتبط ببناء المجتمع القرآني :
"وإياكم إياكم أن تفتحوا باب النقاش مع العلماء، بل يجب التعامل بالحسنى والمصالحة على قدر الإمكان، فلا تتعرضوا لغرورهم العلمي حتى لو كان أحدهم ميّالا إلى البدع ومستجدات الأمور، لأن الزندقة الرهيبة تجاهنا، فيجب عدم دفع هؤلاء المبتدعين إلى صف الملحدين"(1).
ومن الطبيعي أن تشمل مقاصد هذه الوصية سائر الأطراف، العدو منها والمحايد والمتربص.. إذ سياسة الحسنى هي النهج الذي لا يعيق الدعوة ولا يزج بها في غمار المعارك الهامشية الملهية عن تأدية الواجبات..
عفونة المناخ السياسي وتأثيرات الغرب هما مصدر إحباطاتنا
(1) الملاحق 282