يسمي النورسي السياسة خدمة، ويراها خلوصا متناهيا في التضحية. فهي إيمان أخروي لا ينفصل عن الإيمان الدنيوي، ذلك لأن طبيعة الوجود في المنظور الإسلامي طبيعة لا تقبل التفكيك، ولا يمكن للمسلم أن يجتزئ وجوده الأرضي عن وجوده الأخروي. من هنا كانت أعمالنا الدنيوية هي أعمال أخروية والعكس كذلك.
" إن مهمة رسائل النور هي: خدمة القرآن الكريم، والوقوف بصرامة وحزم في وجه الكفر المطلق الذي يودي بالحياة الأبدية ويجعل من الحياة الدنيا نفسها سما زعافا وجحيما لا تطاق"(1).
إنها رؤية شمولية تقرر مسؤولية الإنسان التي لا تتحدد بزمن الحياة هذا، مادامت الحياة مجرد مقدمة للآخرة، لذا كانت أعمالنا الدنيوية موصولة بما سيكون عليه مصيرنا الأخروي..
من أجل هذا كانت السياسة عبادة عند النورسي وكانت العبادة عنده سياسة.. ومن أجل هذا كان الإخلاص هو نقطة ارتكاز القصد الترشيدي، وكان التجرد والتسامي ونكران الذات هي أساس الخدمة في الحالين، إذ لا يمكن لخادم الإيمان "أن يعطي لنفسه حظا، وذلك لكي يمكن الاستفادة من إرشاداته في دروس الإيمان وتحصيل القناعة التامة به "(2).
فالسياسة عند النورسي هي خدمة إيمانية محكومة بضوابط الدين وليست مشروطة بمنطق الظروف والملابسات .
وبالإضافة إلى ذلك فهي مجاهدة وجدانية وتسييرية يومية، فهي من ثمة واجهة حيوية وتنفيذية ضمن سياق من المقاصد المركزية أوقف النورسي حياته من أجل تحقيقها، وربما شملها مفهوم الفقه الأكبر الذي وجدناه يستخدمه عندما صرح بأن حياته وجهوده موقوفة على التكفل والإيفاء به .
من هنا وجدنا الخدمة تتمازج في ذهنه بمعانى التصوف والسلوك، ووجدناه يقيم الفعل السياسي على قاعدة إثبات المحبة ودفع الخصومة :
"إن مشربنا محبة المحبة ومخاصمة الخصومة، أي إمداد جنود المحبة بين المسلمين وتشتيت عساكر الخصومة فيما بينهم"(3).
(1) سيرة ذاتية 390
(2) سيرة ذاتية 406
(3) سيرة ذاتية102