فخروجها يأخذ - على وجه تقريبي - صورة الثعبان وهو ينسلخ من ثوبه، ولذلك هي سرعان ما تنبثق من ثوبها ذلك، كالحية ينجم السم الناقع حتى من رماد عظامها.
" هناك نفس أمارة معنوية - غير دسائس النفس الأمارة الحقيقية - هي أشد عصيانا من الاولى وأكثر نفورا من الطاعة، وأكثر إدامة للأخلاق الذميمة، هي النفس الثانية، وهي مزيج من الهوس والمشاعر والطبائع وهي موغلة في الأعصاب والعروق، وهي الحصن الأخير الذي تحتمي به النفس الأمارة، وهي التي تتولى القيام بوظيفة النفس الأمارة السيئة السابقة - التي تركبت منها - فتجعل المجاهدة تستمر إلى نهاية العمر.
" ولما كانت حواس هذه النفس الأمارة الثانية عديمة الشعور .. لا تفهم أقوال العقل ولا تدرك نصائح القلب، ولا تعير لها سمعا كي تنصلح وتدرك تقصيراتها، لذا لا ترتدع عن السيئات إلاّ بلطمات التأديب وصفعاته وبالآلام، أو بالتضحية التامة بحيث يضحي المرء بمشاعره وحواسه كلها للهدف الذي يصبو إليه فيترك أنانيته كليا، بل كل ما يملكه لذلك الهدف .." (1).
فالنفس هي جماع النوازع المردية، وقد أودت بإبليس إذ جعلته يقف أمام الخالق باستكبار وأنانية، فاتحا الطريق أمام انحرافات الإنسان وتَفَرْعُنِهِ، وليس مثل العبادة ملجما للنفس عن زيغها، وليس مثل التقوى مخرسا لهمزاتها .. فبالتخلي عن العبادة تستفحل النفس وتطغى أنانيتها، وهو ما سجله النورسي بقوله:
"إن الأنانية تتقوى بنقصان العبادة، فيزداد الداعون إلى فرعونية النفس" (2).
كما أن " الإنسان الحقيقي هو الذي برأ من الغرور ومن الغفلة التي تؤدي به إلى التيه في ظلمات الأوهام" (3).
من هنا راح النورسي يشدد على أهمية العبادة في بناء الكمال النفسي وتطهير البواطن واستكمال اللطائف وتثبيت الإخلاص :
(1) الملاحق 210
(2) الملاحق 392
(3) المكتوبات 818