تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" كما أن الإنسان عالم صغير، كذلك العالم إنسان كبير، فهذا الإنسان يمثل خلاصة الإنسان الكبير وفهرسه، فالنماذج المصغرة في الإنسان لابد أن أصولها الكبيرة المعظمة موجودة في الإنسان الأكبر بالضرورة . فمثلا القوة الحافظة في الإنسان دليل قطعي على وجود اللوح المحفوظ في العالم. وكذلك يشعر كل منا ويحس أن في قرارة نفسه وفي زاوية من زوايا قلبه آلة وعضوا للوسوسة وهي اللمة الشيطانية التي هي لسان شيطان يتكلم بتلقينات القوة الواهمة،

" هذه القوة قد تحولت بفسادها إلى شيطان مصغر، لأنها لا تتحرك إلا ضد اختيار الإنسان وإرادته وخلاف رغباته الحقيقية . إن هذا الذي يشعر به كل إنسان حسا وحدسا في نفسه دليل قطعي على وجود الشيطان الكبير في العالم الكبير. ثم إن هذه اللمة الشيطانية وتلك القوة الواهمة تشعران بوجود نفس شريرة خارجية تنفث في الأولى وتستنطق الثانية وتستخدمها كالأذن واللسان" (1).

لكن الإنسان ليس نقصا محضا، ونفسه ليست زيغا مطلقا، فهي إلى جانب شريتها، تحوز الخيرية، بيد أن الاحتفاظ بمستوى تلك الخيرية راجحا، وعلى مدى متواصل يتطلب دحر النفس الأمارة، وما أشق دحرها، كما يقرر النورسي.

النفس :

النفس تركيب من النفس المزكاة ومن النفس الأمارة، لكن التمرس الامتحاني جعل النورسي يكتشف ازدواجية في النفس الأمارة ذاتها، إذ لها رديف آخر من جنسها لكنه أعتى غواية وأشرس زيغا، يحول بين المرء وبين الخلوص..

لكأن للنفس الأمارة ثوبا تغادره وتتركه وراءها حين يُضَيِّقُ المرء عليها بالتعهد التعبدي وبالترويض الإيماني وبالمكافحة التطهيرية.

إن من شأن ذلك الترويض أن يفلح في جعلها تخرج من كينونته الباطنية، لكن خروجها ذلك ليس في الواقع إلا خروجا جزئيا أو شكليا، لأن النفس الأمارة لا تغادر الكيان إلا بعد أن تترك فيه ثوبها.

(1) اللمعات 127

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٨٧