وأما الوهم، فهو التقديرات غير السديدة والتصورات غير المؤسسة والافتراضات اللاموثقة التي تتأتى للإنسان وتخامره، ويكون الدافع إليها غالبا التطلع النفسي والتشوق لما ليس في الوسع..أو ما هو مغيب .. فالآمال تزين للنفس المقاصد وتضفي عليها وشاحا من الجاذبية قد لا يكون له أساس في الواقع.
على أن النورسي يرى أن للنفس حركة تنقلب بها من حال النفس اللوامة إلى حال النفس الأمارة، وهو ما يقتضي من الأطهار مزيدا من الجهد تضييقا للخناق عليها حتى لا يندَّ عنها ما يفسد الخلوص ويخل بالنية :
" قد يحدث أحيانا أن تنقلب النفس الأمارة إلى نفس لوامة أو مطمئنة، إلا أنها تسلم أسلحتها وأعتدتها إلى الأعصاب والعروق فتؤدي الأعصاب والعروق هذه تلك الوظيفة إلى نهاية العمر، ورغم موت النفس الأمارة منذ مدة طويلة، فإن آثارها تظهر أيضا، فهناك كثير من الأولياء والأصفياء العظام شكوا من النفس الأمارة رغم أن نفوسهم مطمئنة، واستغاثوا بالله من أمراض القلب رغم أن قلوبهم سليمة ومنورة جدا، فهؤلاء الأفاضل لا يشكون من النفس الأمارة، بل من وظيفتها التي أودعت إلى الأعصاب " (1).
فنزغات النفس ما هي إلا صدى لحضور الشيطان ولفعله ووسوسته. هذا الشيطان الذي لا يشك النورسي في وجوده كما يتوهم الماديون .
وحتى يثبت كينونة الشيطان فقد وجدناه يطابق بين عالمي الإنسان والكون، فإذا كان عالم الإنسان مأهولا بقوة النفس الأمارة التي هي بمثابة الشيطان، فلا يستغرب العاقل إذا ما عمَّرت عالم الكون من حولنا قوة غير مدركة هي الشيطان، وهذا تماما على غرار ما تعمر كياننا البشري نحن، النفس الأمارة..
فعن طريق المطابقة بين عالمي الإنسان والكون استبان النورسي كينونة الشيطان.
من خلال تحليلة لمكونات الباطن النفسي وأنشطتها، حدد موقع الشيطان ووسوسته، وما تهيئه النفس الأمارة من شروط تمكن للشيطان من أن يخترقها.
يقول النورسي:
(1) المكتوبات.423