تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من هنا انعدم في رؤيتهما معا المعطى الوجودي المتمثل في الآفاق الزمنية المشهودة والمغيبة التي يعيشها الإنسان كحقيقة نفسية لا يتخلى عنها أبدا، وإلا ما باله يعيش دائبا على السعي حتى كأنه لا يموت.

كلتا النظرتين حصرت تقديرها الإنساني في الكمية، فالجماعية هي من بعض الوجوه فردية، مادامت الجماعية لا تؤمن بالاختلاف، فهي من ثمة واحدية، وكذلك حال الفردية، إذ هي الأخرى لا تؤمن بغير الواحدية، إذ الأنانية تحجب عن العين وجود الآخر، وبالتالي تغدو المصلحة هي مصلحة الذات ولا سواها، والصراع صراعا من أجل تحقيق الذات ولا شيء غيرها .. من هنا كان انغلاق النظرتين في المكان، وانحجارهما في الزمان، إذ لا معالم تلوح للنفس في الأفق إلا ما تفرضه اللحظة من دواعي الحركة والفعل من أجل النجاح المادي..

" إن حياة أرباب الضلالة والغفلة، بل إن وجودهم وعالمهم ما هو إلا يومهم الحاضر، حيث أن الأزمنة الماضية كلها وما فيها من الكائنات معدومة، ميتة، بسبب ضلالتهم، فتردهم من هناك حوالك الظلمات. أما الأزمنة المقبلة فهي أيضا معدومة بالنسبة إليهم، وذلك لعدم إيمانهم بالغيب، فتملأ الفراقات الأبدية - التي لا تنقطع - حياتهم بظلمات قاتمة، ما داموا يملكون العقل وما داموا جاحدين بالبعث والنشور" (1)..

فرؤية الإنسان لن تسدد إلا إذا وعى وآمن أن دوره الإنساني في الحياة ليس استمتاعيا فقط ولكنه دور منتج للخير مسؤول "إن الإنسان لم يأت إلى هذه الدنيا للتمتع والتلذذ " (2).

" فالإنسان إذاً، لم يأت إلى هذه الدنيا لقضاء عيش ناعم جميل مغمور بنسمات الراحة والصفاء، بل جاء إلى هنا ليغنم سعادة حياة أبدية دائمة بما يسر له من سبل التجارة برأس ماله العظيم الذي هو العمر" (3).

(1) الملاحق 175

(2) اللمعات 317

(3) اللمعات.317

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٨٤