تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وواضح أن هذا المنطق إنما يعكس روح التغالب ويترجم نوازع الفتك التي هي صفة الضواري، والتي تتلبس روح الإنسان المعاصر في نظرته إلى الحياة، من حيث هي مضمار للتبارز والسجالية، حيث القوي يقهر الضعيف.

الواقع أن كلتا الفلسفتين تصدران عن مبدأ البقاء للأقوى. فعلى صعيد مذهب الفردية تناط الديمومة والمجد بمن يثبت جدارته على صعيد المنافسة. بغض النظر عن الأسباب والقيم التي يتوسل بها المتنافسون في تحقيق مجدهم الشخصي ومكاسبهم ورجاحتهم الاجتماعية.

وكذلك الحال بالقياس للمذهب الجماعي، إذ لا مكان للفرد، ولا للأقلية حيال الجماعة والأكثرية.. رغم التبريرات التي يرتكز عليها منطق هؤلاء وأولئك.. وهو ما يشير إليه النورسي في ملاحظاته التالية :

" إن القانون الأساس للسياسة البشرية هو: أن يضحى بالأفراد من أجل سلامة الأمة، وتفدى بالأشخاص حفاظا على الجماعة، ويرخص كل شيء في سبيل حماية الوطن، فجميع الجرائم البشعة التي ارتكبت في حق البشرية إلى الآن إنما كان يرتكب بالاستعمال السيء لهذه القاعدة ولهذا القانون الأساس. فلقد تيقنتُ من هذا يقينا قاطعا. فهذا القانون البشري الأساس ليس له حد معيّن ولا ضوابط مخصصة، لذا فقد مهّد السبيل للتلاعب باستعماله بكثرة.

ويستطرد النورسي موضحا مزالق هذا القانون المنحرف وما كبّده للإنسانية من تضحيات، فيقول:

" إن الحربين العالميتين قد نشبتا من سوء استعمال هذا القانون البشري الأساس، فأبادت نهائيا ما توصلت إليه البشرية من رقي منذ ألف سنة " (1).

فسواء الفلسفة التي تحصر النظرة في الفرد وحده، أو تلك التي تركز الإهتمام على الجماعة مطلقا، كلتاهما تتحجمان في إطار من الوعي آني، ولا شأن له بأبعاد النفس أو الروح والقلب.. بل إنهما معا تضيقان الخناق على الإنسان إذ تحصران فاتورة الحساب في الشرط المادي والاستهلاكي والإنجازي الملموس..

(1) الملاحق 377

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٨٣