لقد غرست عهود الانحطاط في روحية الأمة أخلاقا نسخت كثيرا مما كان لها من قيم وخصال وشمائل، وأجهزت أو كادت مساعي التغريب التي استهدفتها على ما تبقى لها من موروث، واستبدلته بما ساسوه بها وروجوه لها من قيم دنيوية مقيتة، إذ لقنها ساستها المتغربون من خلال سيرتهم معها ومواقفهم حيالها وحيال مقوماتها، روح التفريط والاستخفاف، ففشا فيها نتيجة ذلك: الهوان والوهن والنذالة والجبن والمكر، فهي لذلك أمة متقلبة في أهوائها أكثر قابلية للتنازل على الفضيلة ما أن يلوح لها مروضوها بالعظام والفتات..
أجل، إنها حال عارضة، مكتسبة، وقابلة للزوال ما أن تجد من يرود الأمة نحو الأهداف السامية والغايات النبيلة.
لذا توجب على الطليعة القرآنية أن تسلك سبيل الحكمة في سياسة الأمة لإخراجها من ترديها وأن تجهد في توعيتها بما يفتح عيونها على العدو الحقيقي الانحطاط والجهل ومغالطات المتغربين .
فهذه الطليعة مطالبة بأن تتسلح بسلاح الصبر والمصابرة، وأن تتيقن من أن الصرح الذي أساسه الإسلام، صرح فخم عتيد، لا يقام في عجلة من الأمر، بل يتطلب المتابعة وتلاحق استماتة الأجيال..
الفلسفة الفردية والفلسفة الجماعية .. وحقوق الإنسان
على أن مما سجله النورسي من جور وظلم تتوحل فيه المدنية المعاصرة، سببه انسياق السياسات البشرية والأيديولوجيات الوضعية وراء معايير وأحكام غير راشدة في مسألة الحق الإنساني.
فمعادلة حقوق الفرد والجماعة تتراجح بين منطقي الإفراط والتفريط، حيث تتناقض نظرة المدنية الحديثة في موازنة تلك الحقوق وصونها. ففيما توجد هناك فلسفة سياسية تجعل من الفرد مناط الحريات ومركز المبادرات والفاعليات، توجد مقابل ذلك فلسفة سياسية معارضة لا تنظر إلى الفرد إلا كرقم ضمن المجموعة، ولا تعير للفردية أدنى أهمية إلا في سياق الجماعية. فمن أجل إصلاح الأغلبية لا ضير أن يضحى بحقوق الأقلية..