إن الخطاب المدني المعاصر - وشعورا منه أحيانا أنه فعلا قد غاص في الأوحال المدنية حتى الأذقان - عندما ينوه بالمحلية ويثمن العمق الشعبي، فإنه ينوه بضرب من الإنسان بات - يوما بعد يوم - يعز وجوده، ألا وهو إنسان الفطرة الذي وصف النورسي بساطته الحياتية وبين قيمتها . تلك البساطة التي كانت لا تقتضي الإنسان من تكاليف العيش والحياة إلا لوازم معدودة، ذلك لأن نفس هذا الإنسان الفطري والذي عناه النورسي، إنما كانت نفسا متماسكة ومتصلبة، ولم تكن دواعي الميوعة والترهل والتحلل قد تمكنت منها بعد، على نحو ما نرى عليه مجتمعاتنا التي شاءت أن تكون مجتمعات ممسوخة تحذق لعبة التقليد المضحك.
هناك إلتزام ينيطه النورسي بالإنسان المسلم المعاصر: الجهادية المرشدة التي لا تهدر المكاسب بتهور أو بسوء تقدير للعواقب، الجهادية التي تتحسس موقع قدمها وتبني رهاناتها على مدى قابل، بكل ما قد يحتم عليها ذلك من خيارات تنازلية (سواء في المجال المادي أو في المجال الروحي ).
فهو التزام تجنيدي يأخذ بمبدإ النظام ولا يومن بالفوضى لأنها ليست إلا إرهابا، ويثق من أن الجهاد المعنوي الشاق هو الذي يفضي بالطليعة من أبناء الأمة إلى طريق النجاح.
لقد هدر الانحطاط عزة الأمة، وأحالتها عصور الظلمة أكواما بشرية ودهماء رعاعية بئيسة .. واستطاعت النظم المخترقة والمتغربة أن ترسخ فيها أخلاق الخسة والطمع والانتهازية والاستعداد لكل الترديات، لذلك لا يمكن للطليعة المؤمنة أن تتوقع أن تكون قيادة هذه الأمة بما هي عليه من حال، أمرا ميسرا، وأنه يكفي تحديد جهة العدو لها حتى تتصدى وتهب للدفاع..