عالم اليوتوبيا يشرط فكر الماديين لأنهم يريدون تحقيق الجنة الأرضية على صعيد البسيطة، في ما يعتبر النورسي القرآني عالمنا الأرضي أو الحياة الدنيا موئل نقص وقصور، إذ هو عالم جسري فقط يفضي بالإنسانية إلى عالم السرمدية الأخروي.
الإنسان الكامل هو ارتكاز التوازن في هذه الحياة، والوازع عن التهافت يتم بالمجاهدة الأخلاقية وليس عن طريق التهيام الحالم بالمثل وبالمتع الغائبة.
من هنا كان قوام يوتوبيا الماديين هو تحقيق الوفرة الاستهلاكية وخوض غمار الإشباع بلا وازع، وذاك في حقيقة الأمر حلم غير واقعي، إذ أن هذه اليوتوبيا لا تتحقق إلا للأقلية، وعلى حساب الأغلبية، ثم إنها يوتوبيا محدودة بالزمان والمكان، فتمتع معشر ما أو قارة ما بالوفرة وبالحرية يغدو مقصورا على أهلها، فإذا ما توارث الخلف حالهم وعاشوا على نفس الوتيرة المتخمة كانت الرتابة وكان التحجر..
إما إذا كانت جدلية الحياة طلقة لا تحكمها هلوسات من هذا الحلم الأرضي السرابي، وسارت منضبطة بالناموس الأخلاقي الذي يقرر أن النقص من طبيعة الأرضيين قياسا بالكمال الإلهي القدير - وهو ما يتضمن وجوب المكافحة تقويما للنفس - فإن ذلك سيورث بطبيعة الحال السعادة لأن الأجيال ستجد نفسها باستمرار أمام تحديات الضعف البشري، تخوض الجهاد المزدوج ضد الذات وضد الآخرين على هدي من الله ورشاده.
الإنسان الكامل ليس المجتمع الكامل - فليس هناك المجتمع الكامل - المجتمع الكامل مجرد يوتوبيا.
والمجتمع الكامل لا يكتب ناموسه ببشريته وإلا دخل في التاريخية، لقد كفلت البعثات الإلهية سوانح زمنية تحقق أثناءها المجتمع الكامل بحضور مادي للأنبياء وتسديد مباشر من السماء.. وقد اطردت للإنسان أسباب الكمال ما اعتصم بحبل الله وسار على توجيهاته لكن الغرور الإنساني ينزع به أبدا إلى الانحدار، وهو ما يُغَيِّبُ الكمال عن الحياة..