" فلأجل تلك الحكمة العظيمة، خلق سبحانه الإنسان على فطرة جامعة، لها من القدرة ما يثمر ألوف سنابل الأنواع، وما يعطي طبقات كثيرة بعدد أنواع سائر الحيوانات، إذ لم يحدد سبحانه قوى الإنسان ولطائفه ومشاعره كما هو الحال في الحيوانات، بل أطلقها واهبا له استعدادا يتمكن به من السياحة والجولان ضمن مقامات لا تحد فهو في حكم ألوف الأنواع، وإن كان نوعا واحدا .
" ومن هنا أصبح الإنسان في حكم خليفة الأرض ونتيجة الكون وسلطان الأحياء. وهكذا فإن أجل خميرة لتنوع النوع البشري وأهم نابض محرك هو التسابق لإحراز الفضيلة المتسمة بالإيمان الحقيقي، فلا يمكن رفع الفضيلة إلا بتبديل الماهية البشرية وإخماد العقل وقتل القلب وإفناء الروح " (1).
فلا غرابة والحال هذه أن يعتبر النورسي أشنع خيانة عظمى يسجلها الإنسان على نفسه هي المروق والجحود والكفر.. ذلك لأنها خيانة لا ترتكب في حق مقترفها فحسب، بل إنها خيانة في حق البشرية والمخلوقات كافة، لأنها اختراق سافر لما تقدسه تلك المخلوقات، ولما تؤمن به وتوكل إليه وجودها، فالتجاوز الذي يتسجل في حق تلك القدسية الربانية تجاوز في حق الوجود الإنساني بكليته.
لقد اعتبر النورسي جريرة الجحود والكفر والعصيان اعتداء على الإنسانية وخرق لحقوقها، إذ كيف يحق للإنسان إن ينتهك مقدسات الآخر؟ وكيف يجوز للأقلية أن تهدر قيم الأكثرية، بل لقد وجدنا النورسي يقرر أن الكفر هو اعتداء على الكائنات كافة وظلم لها واستخفاف بوجودها " كفر الإنسان إنما هو تجاوز - أيّ تجاوز - على حقوق الكائنات، وأغلب المخلوقات، مما يثير غضب السماوات والأرض" (2).
اليوتوبيا(3) الإنسانية
(1) اللمعات 258
(2) الشعاعات.312
(3) قصدنا بها المدينة الفاضلة كما ترسمتها عقول الفلاسفة وأرباب الإيديولوجيات الدنيوية.