" ذلك لأن الفرد الواحد عندما يجري عليه الزمن يصبح بحكم النموذج، يلبس كل يوم شكل فرد، ثم إن الإنسان مثلما يتعدد ويتجدد هكذا، فإن العالم الذي يسكنه سيار أيضا لا يبقى على حال، فهو يمضي ويأتي غيره مكانه، فهو في تنوع دائم، فكل يوم يفتح باب عالم جديد. ثم إن الإنسان تتحكم فيه النفس والهوى والوهم والشيطان وتستغل غفلته وتحتال عليه لتضيق الخناق على إيمانه حتى تسد عليه منافذ النور الإيماني بنثر الشبهات والأوهام.. لذا فهناك حاجة إلى تجديد الايمان في كل وقت، بل في كل ساعة في كل يوم "(1).
من هنا كانت أهمية المسجد والمراوحة إليه، بل من هنا كان سر دورية الفرائض وموسمية الشعائر .. ومن هنا أيضا كانت فائدة الجماعة والترابط، لما توفره الاحتكاكات من تنبيه وتوجيه وتثمين للعزائم .. فالاستنامة إلى العادة قتل ذريع لحيوية النفس، وتوريث سلبي لطبائع الإعتياد والآلية التي تنتهي بحجب الوعي وكسر الحس وإخماد الذوق وهدر التوق.
لقد كان النورسي يرى للملتقيات أهميتها في تجديد الهمة واليقظة.. ومن قوة بصيرته وجدناه يتلمَّحُ حتى في أحداث اعتقاله المتكررة مع أصحابه فائدة تجديدية، لما كانت ظروف الحبس تثوره في نفوسهم من همة المدارسة وشحذ الإيمان..
لقد كان النورسي يدرك أن طريق الجهاد يورث العناء، والعناء قد يكون مدعاة للانتكاس وضعف الحمية، من هنا أرشد إلى بيداغوجية التذكير، إذ لابد للبرامج الجذرية وذات المقاصد الحضارية السامية أن تتحوط لمشاق الطريق بترياق التجدد والتنبيه والتنشيط، حتى لا يسري التواكل والترك والتسييب.
الإنسان.. معجزة خلقية إلهية
(1) المكتوبات 428