فمما سجله النورسي في هذا الصدد تناظر القيم التي باتت مجتمعاتنا الإسلامية تتداولها من خلال تناظر شرائح المجتمع نفسها وما تنتحله كل شريحة من أخلاق وأعراف وأصول .. فلا عجب أن تتباين المعايير وتختلف الرؤى وتتمايز التوجهات في المجتمع الواحد عندما تتعدد مصادره الروحية والحضارية والقيمية.. لقد باتت مجتمعاتنا تستجمع تشكيلات من القوى والشرائح تكاد الروابط بينها أن تنعدم. كل ذلك بسبب التأثير السيئ الذي تحدثه المدنية الغربية من خلال آلياتها التغريبية الرهيبة..
لقد لاحظ النورسي أن المجتمع الإسلامي الحديث المتعامل بقيم الغرب وأخلاقيات مدنيته قد بات يتواجه على صعيده نموذجان إنسانيان لكل منهما طبعه وروحيته وصفاته: الإنسان القرآني والإنساني الفرعوني. حيث أن التأثير الاستيلابي الغربي قد أوجد قطاعه من المخترقين من أبناء الأمة، على نحو ما أوجدت التعاليم القرآنية - والحمد لله - قطاعها المحمدي المتوسع ..
فالتغريب هيأ الأجواء التي صاغ فيها نفسية الفرد المستلب وحدد أوصافها الغرورية والانتهازية والتهافتية بحيث " صيّر تلميذه الخاص فرعونا لكن يعبد أخس الأشياء ويرى كل سبب نافع أنه ربه.. متمردا لكن يتمسك بنهاية الذلة للذته. ويقبّل رجل الشيطان لمنفعة خسيسة. وجبارا لكن لعدم نقطة الاستناد عاجز في ذاته بغاية العجز. وإن غاية همة تلميذك: بطنه وفرجه أو منفعة قومه، لا لقومه بل لأجل منفعة نفسه أو تطمين رقة الجنسية أو تسكين حرصه وغروره، ولا يحب إلا نفسه ويفدي لها كل شيء" (1).
(1) المثنوي العربي النوري 270