لكأن تلاحق التوفيقات والمنجزات والكشوف المادية التي تحققت للإنسان المعاصر عمقت فيه نزوع الغفلة والسهو والجحود. بل لقد تمادى الإنسان المعاصر من خلال تيارات الزندقة والإلحاد، في النكران، إذ راح يستظهر بفلسفات إلحادية قديمة ومستحدثة في إفشاء الكفر وتوطيد روح الجحود.. بل لقد تفنن الماديون في تحويل النجاحات الإنسانية على صعيد العلم والتكنولوجية إلى شواهد وبراهين إلحادية، تصفي الرب - تعالى الله عما يصفون - وتؤله الإنسان..
ولقد كانت خسارة الأمة الإسلامية فادحة بما انتهى إليها من أفكار وفلسفات وتمذهبات مادية إنكارية. فالأمة التي فقدت كل أسباب النهوض أريد لها أن تسلم الروح بإعلان تخليها عن الدين. وشاء الله لأمته أن تسير - وما زالت تسير - وراء حداة ناعقين انعطفوا بالقافلة جهة التغرب وزعموا للأمة أنها ستبلغ غايتها وتحقق أهدافها في الحياة الكريمة والغد الحافل عن ذلك السبيل النكوصي.
ولقد بات جليا لكل ذي عينين أن ما جنيناه من اعتناقنا لسنن الغرب ومثل حضارته المادية لم يزد أحوالنا التقهقرية إلا تفاقما، إذ بتنا نعقد توكلنا في أخص خصوصياتنا على الغرب، بعد أن خسرنا ونحن نتشبه به، ما كان لنا من بقايا همة ودأب وحمية ومعاندة..
من هنا شخص النورسي للأمة علاج الدين مخرجا لها مما ابتليت به سواء بفعل قرون الانحطاط أو بما أصابها جراء أحوال التفسخ والتحلل التي هي عليها بفعل التغرب والاستيلاب.
لقد رأى النورسي أن على أمة القرآن أن تحتمي بالقرآن في هذه الظروف العاصفة بالبلاء، فمن شأن ذلك أن يهيئ لها الإطار الذي يعصمها من الفناء، لأنه سيكفل لها تخريج الفرد القرآني الذي يستطيع بجدارة الإيمان أن يواجه الكفر ويحقق النهضة و يحتل الريادة..