تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كانت شروط الجانبين غير متوازنة من حيث القوة المادية، فقد أسفر الصدام عن ظهور غالب ومغلوب، وهو ما جسدته الظاهرة الاستعمارية كما عرفها العالم في القرنين الماضي والحالي. تلك الظاهرة الجائرة التي هشمت بقرنها الغاشم قيم الكمال والإنسانية، حيث انحرفت القوى الاستعمارية بالمبادئ والمثل الإنسانية وتجاوزت بها نطاق الفطرة ووظفتها في طريق استئثاري، ابتزازي، لم يؤجج الصراع على صعيد الحضارات والأديان فقط، ولكنه انتهى بتفجير المعسكر الغربي الاستعماري ذاته من خلال حربين عالميتين.

وجاءت الديمقراطية - التي روج لها الغرب - بمبدإ تنوع الاختيارات، لكنها عملت باستماتة على تكريس النموذج اللائكي الغربي، قضاء على الآخر.

كما أن المدنية الغربية التي فرضت نفسها كنموذج من خلال التطور الكبير والمطرد الذي حققته على مستوى التجهيز المادي، قد تقهقرت بالبشرية على صعيد القيم والاخلاق، إذ خلقت نزوعات شريرة أخرى في الإنسان استطار بها شر المدنية المعاصرة وبات يهدد البيئة والكون والوجود كله..

لقد سجل النورسي أنه على قدر ما تحقق للمدنية الغربية المعاصرة من قفزات علمية ومنجزات مادية وارتفاقية، بقدر ما انتكست في مضمار الروح وقيم الخير والفضيلة وفي سائر المثل الإنسانية.

لقد تركز الجهد والاجتهاد الذي طفق يبذله الإنسان المعاصر على تحقيق الربح بلا ضوابط، والمكاثرة الكسبية بلا قيود، والامتلاك الأعمى من غير حدود.. الأمر الذي ضرب في العمق مسطرة الشرف والعدل، وأصاب في الصميم مفاهيم الأخوة والإنسانية..

لقد أفرزت المدنية الغربية مورثات خلقية مناقضة للفطرة، وبنى العالم الغربي - مُصَدِّرُ المدنية الحديثة - نسيج القيم التي يتداولها على غير الحكمة، إذ ضبط سُلَّمَه المعياري على منطق أخلاقي معارض كلية لتشريعات الله وتعليماته..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٧١