لقد اقتضت افتدائيته للإسلام يومئذ - كما صرح مرارا - أن يعيش مرابطا، حتى لا تتسلل روح الوهن إليه تحت ضغط روابط أسرية أو اجتماعية أو غيرها.. وهو ما يفسر دعوته يومئذ للأتباع وإلى من يستطيع منهم أن يحجم عن الزواج أن يفعل، ذلك لأنه كان يرى أن المعركة الالتحامية بين الحق والباطل كانت من الشراسة بحيث لا يسع البقاء في ساحها إلا لمن رابط بحق وقطع روابطه بأسباب الحياة إلإ سبب الجهاد في سبيل الله..
لقد صام النورسي عن اللذة الدنيوية، وكان ذلك توفيقا آخر من الله، هيأ له كرامة جهادية خالصة، تضاعف له فيها ثواب المعصومية على قدر ما تكبده من حرمان دنيوي على أكثر من صعيد.
على أنه يتيسر علينا أن نقف عند بعض ما كتب النورسي عن الفتوة وغليان مراجلها لندرك أنه كتب ذلك بروح من لم يترك ماضيه الشبابي في نفسه أدنى إحساس بندم أو مرارة، وما ذلك إلا لأن ماضيه كان طاهرا، نقيا، معصوما ومبرأ من أي شائبة زيغ:
" نعم إن عهد الشباب نفيس حقا وثمين جدا، وهو نعمة إلهية عظمى، ونشوة لذيذة لمن عرف واجبه الإسلامي، ولمن لم يسئ استعماله، ولكن الشباب إن لم تصحبه الاستقامة ولم ترافقه العفة والتقوى، فدونه المهالك الوبيلة، إذ يصدع طيشه ونزواته سعادة صاحبه الأبدية وحياته الأخروية، وربما يحطم حياته الدنيا أيضا، فيجرعه الآلام غصصا طوال فترة الهرم والشيخوخة لما تنعم به من مذاقات ولذائد في بضع سنين."
ويسترسل معبرا عن راحة الضمير التي كان يجدها حيال ماضيه الشبابي المبرإ من السقطات، فيقول :