" ولما كان عهد الشباب لا يخلو من الضرر عند أغلب الناس، فعلينا إذن نحن الشيوخ أن نشكر الله شكرا كثيرا على ما نجانا من مهالك الشباب وأضراره، هذا وإن لذات الشباب زائلة لا محالة كما تزول جميع الأشياء، فلئن صرف عهد الشباب للعبادة وبذل الخير والصلاح لكان دونه ثماره الباقية الدائمة وعنده وسيلة الفوز بشباب دائم وخالد في حياة أبدية "(1).
ترى هل يسعنا بعد كل هذا إلا أن نجيب عن سؤالنا الذي بدأنا به مطارحتنا، والذي قد لا يخلو من سذاجة لولا المقاصد الترشيدية، وهو هل أن معرفة اللذة تعني مقارفتها ؟
والجواب طبعا كلا. بدليل أن معرفتنا للذة الخمر لا تعني بالضرورة أننا عاقرنا الصهباء ؟
إذ إن هناك معرفة سبقية كما يقول الفلاسفة فطرية وأخرى حدسية لا يتعلمها الإنسان ولكنه يعيها في نفسه ذاتيا .. لا سيما ما اتصل بالغرائز. فبهذه المعرفة الفطرية نتحسس ونتذوق ونعرف اللذة والألم، وبها يميز الصبي بين الوجه الأليف والآخر المنفر.
9- النُوْرْسي وجذور رؤيته الإنسانية
استوعب النورسي معنى الإنسانية ضمن وعي ديني كوني مفتوح على العالمية..إذ الإسلام هو دين الله الذي لا يقيم الحواجز بين البشر وإن ألحدوا، وإن تباينت عقائدهم. فالمسلم يؤاخي في التوحيد اليهودي والمسيحي والكتابي عامة، ولا يرى فيهم أعداء أو خصوما ما كان الاحترام والقسطاس مرعيا بينهم، بل ويؤاخي كذلك الملحد والوثني بحكم الرابطة الإنسانية، ويشفق عليهما ولا يهينهما أو يزدريهما ما بقيا في حدود قناعتهما، ولا يسعه عندئذ إلا أن يتمنى لهما الهداية.
ذلك لأن النورسي يرى في مخلوقية الإنسان ذروة الإعجاز الذي شاء الله أن يجسد من خلاله قدرته ومطلقيته، إذ الإنسان هو تاج الوجود، وكل ما أبدعه الله من أكوان ونعم وأفضال، إنما هي لفائدته ولتكريميته:
(1) سيرة ذاتية 157