إن تعهد نفسه بالغض الدائم لا يعني سوى أن رجولته كانت تقتضي الإلجام المحكم. وهو ما دأب عليه والتزمه وحض عليه استيفاءا للطهر ونشدانا لدائم اللذة وأشهاها، لذة الخلود.
لقد عاش النورسي التبتل المطلق، بكل بسالة وتعهد. الأمر الذي انتهى به بعد مكابدات إلى أن يرتقي إلى مقام الصديقية.
على أن النورسي لم يكن في سيرته التبتلية تلك يعيش ضربا من الترهب الذي ينبذه الإسلام، لقد كانت السنة النبوية مورده العذب بعد كتاب الله المبين، فالرسائل خصصت صدارة واسعة من متنها لإبراز الأنوار المنبلجة من نصوص الحديث ومن وقائع السيرة النبوية الشريفة. فالنورسي لم يكن ليخالف السنة في أمر كانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تؤكده، إذ الرسول تزوج وشدد على الزواج، وحرض عليه وبين العلة الظاهرة وهي المباهاة يوم القيامة، وهي بلا ريب علة تحفيزية، تكاثرية، تتضمن مقصدا ترشيديا، يتمثل في وجوب امتلاك القوة التعدادية صونا للرسالة.
لكن النورسي عاش عزبا، لم يقترن بالزوج، فهل كان خارجا في هذا الأمر الحيوي على دائرة السنة ؟
تطرق النورسي إلى مسألة الزواج في كثير من مواطن الترشيد التي كان يتوجه فيها بالحديث إلى الشباب، فتيانا وفتيات، ويمكننا في تلك المواطن أن نتتبع بيانات وافية تمثل رؤية مرشدة للموضوع.
أما في ما يخص موقفه هو بالذات من الزواج، فقد وجدناه قد تعرض إليه في بعض رسائله حيث بين سبب عزوبته، وهو أن المرحلة التي عاشها كانت من التفاقم والفوران بحيث لم يسعه أن يعيش موزع القلب وهو يخوض غمار الجهاد من أجل الإسلام الذي رأى رايته تنكس على يد الأعداء، إذ أن مرحلة الردة التغريبية كانت من الضراوة بحيث لم يسع إنسانا في مثل جيشان النورسي أن ينشغل بغير المصاولة والمجاهدة.