ثم ألم يخبرنا – من جهة ثانية - بما يكشف لنا عما كان عليه شأنه طيلة تلك الفترة، حين وصف لنا – مثلا – مشهد سياحته مع زملائه العلماء، إذ طافوا به بعض المنتزهات البحرية، حيث كان الشاطئ يعج بالنساء، وما رأوه يومها من تمنعه عن التطلع إلى تلك المشاهد، وهو ما جعل الرفقاء في حيرة وإعجاب حينما تنبهوا إليه وقد نكس وحبس نظره لئلا يخدشه حرام.
إنها الحال نفسها التي عاشها في قصر ذلك الملا الكريم الذي شرَّع له بيته ومازجه بمحارمه البنات. لقد استغرقته الأشهر والمواسم وهو لا يميز بينهن حتى طلع عليه ضيف آخر متعالم، فلم يمض عليه في رفقته إلا يوم أو يومان حتى راح يسميهن ويعجب أن لا يكون النورسي يعرفهن.
ثم ألم يحدثنا النورسي عما خامر بعض طلابه في مرحلة العكوف القرآني، إذ تطلع هذا المخلص إلى أن يعرف عن شيخه ذلك الجانب القاهر في حياة الإنسان، لكنه استحيى ولم يبد لشيخه ما كان في نفسه، فما كان من الاستاذ اللبيب إلا أن يحيب تلميذه بكل بيداغوجية ورشد.
لقد شاء النورسي بالكشف عن هذا الموقف بالذات أن يجيب عن سؤال يدرك أنه يخالج كل من كان يحتك به أو من سيقرأ سيرته (الرسائل لاحقا).
لقد كان النورسي يريد أن يميط اللثام عن ذلك الجانب المثير حقا من تجربته التبتلية السامية، والذي يدعو فعلا إلى التساؤل، بل وإلى الدهشة وتداعي الاحتمالات من قبيل ألم يكن النورسي معيقا من تلك الناحية الخِلقية ؟.
لاشك أن استقراءنا لسيرته، قد بين بما لا لبس فيه أن شخصيته كانت سليمة سوية، وأنه لم يكن يعاني من أي نقص، وأن قوامته الرجولية إنما كانت على أكمل حال من القوة والسلامة. ذلك أنه لم يعش في سائر مراحل حياته إلا مجاهدا آخذا بخلق التماسك إزاء الوقوع في الشهوة، إذ لا نحسب أن شخصا لم يكن سويا، كان يصطنع كل تلك الحواجز الالجامية بينه وبين الأنثى..