لقد استطاع النورسي أن يؤسس برلمانه وحكومته ومؤسساته وجامعته الزهراء ومجتمعه المدني المفتوح على الفئات والطوائف من دون تمييز، وأن يتوج نفسه عن طريق الإخلاص رأسا للهرم. لقد استمر على نفس حال التحدي المعرفي والخيلاء الاستشرافية من خلال نهج رسائل النور، ومكنه الابتعاد عن المازوشيين الحقيقيين أن يكون صدارة اجتهادية من خلال تأسيسه للون معرفي فقهي حضاري، هو الفقه الأكبر الذي أناط به، ليس النوازل الحياتية المستجدة فحسب، ولكن التخطيط الحضاري الاستراتيجي المنوط بفتوح المستقبل القريب والبعيد.
وحيث أنه كان يدرك أن فسحة العمر لا تسع جسامة الانبعاث، ولا تستكفل إلا بمهمة إرساء القواعد له، فقد أحال مهمة إكمال الصرح إلى الإنسان الكامل الذي سينير السبيل في وجه الأمة، وقوام هذا الإنسان الكامل هو العطاء الجماعي لطلاب النور.
النورسي وحال العزوبة
مما لاشك فيه أن للعزوبة وطأة على الإنسان لا تنكر، والإسلام حين حض على الزواج لم يخرج عن الفطرة، لكن العزوف عن الزواج ظل وفي كل الحضارات رياضة روحية يتعاطاها الفضلاء وأهل القداسة، وكانت سيرتهم تلك تؤهلهم وتزيد من مكانتهم في أعين الناس . وقد اختار صالحون ومتصوفة شهيرون في الملة الإسلامية طريق العزوبة فلم يعتبر ذلك منهم نقصا ولا ظلما للذات ولا إعناتا لها وتعذيبا، وإنما اعتبرت تجربتهم تطهرا وتعاليا وتقدسا، وشهدت لهم بالسمو والرجاحة بين الناس..
على أنه من الثابت أن لجام النسك والتبتل - الذي هو اختيار إرادي لا قهر فيه - يستأصل من النفس كل توق وكل ذوق شهوي لدى الأتقياء، فلا يكابدون أي عنت في هذا الصدد، بعكس المنغمسين وأصحاب الشهوات، فإنه يتعذر عليهم كف أنفسهم، إذ أن نفس المدمن لا تستجيب بسهولة لوازع الكف.
من هنا تتبين لنا سلامة وسمو وطهر النورسي ..