تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نشأ النورسي نابغا، وسلخ أطوار الطفولة دون العاشرة مكنوفا بالمرحمية العائلية، غائبا عن كل ما كان يخرج عن دائرة ذلك التوق الذي طفق يشده إلى وظيفة قدرية لا قبل للأتراب ومن كانوا في سنه بالتطلع إليها، حتى إذا بلغ مبلغ الفتوة انخرط في سلك الحياة العامة عالما يتصدر الفتوى، ويحتكر الرأي بأهلية وسبق، لقد أضحى عالما تتنافس على التفرب منه الشخصيات العريقة والوجاهات العتيدة كل ذلك في كنف من رعاية الأهل والحماية المعنوية التي يكفلها القرآن لحامليه من الأطهار. فأين هو محل هذا الحرمان الذي يمكننا أن نعزو له نقصا في سيكولوجية النورسي؟

وسنكرر تارة أخرى طرح السؤال السابق، هل تحول النورسي عن مسيرة حياته بعد صدمة ويأس وتغير من حال إلى حال؟ نعم، حدث ذلك ظاهريا ؟

ألا يكون ذلك دليل تحول نفسي قاطع، مرده النوازع المكبوتة ؟ كلا.

ذلك لأن النورسي الذي كان اجتماعي المنزع والقابلية، وكان في مراحل حياته الأولى دائبا على دعوة الناس إليه بلسان الحال والمقال، قد كف نفسه حقا - في مرحلة التجدد - عن حياة الاجتماع في شكلها المعهود، وآثر العزلة والانقطاع بعد تلك الصدمة، ولكن ليس ليدشن سيرة حياتية أخرى بديلة لسيرته الأولى .

كلا، إذ أنه استمر في خطه القرآني ولم يحد عنه قيد أنملة، وكل ما هنالك أنه تفرغ كلية لأداء الوظيفة التي انبرى يؤديها منذ النعومة: الوظيفة التنويرية. وظل مع ذلك محتفظا باجتماعيته، بل لقد مارسها على أوسع ما يكون المراس، إذ أوجد له المحفل الحضوري الذي أضحى يتلقى عنه العلم بروح التابع والتلميذ والمريد.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٥٧