لقد عاش منكرا لذاته، وإنكار الذات إذا ما تأسس على قاعدة التقوى ومخافة الله، فإنه لا يعد أبدا غلواء وإنما هو جلال وعظمة. لقد عاش عاكفا في صومعة الجهاد، وأفنى العمر ينافح ضد المخاطر المحدقة بالأمة، ولم يسعه في خضم المأساة إلا أن يعيش العصمة على أكثر من صعيد، وكان ذلك كله توفيقا من الله وفضلا، إذ بما كَدَّ و جَدَّ ها قد أضحى بيننا قطبا شامخا من الصالحين، لا تفتأ أعماله تنير وتلهم وتحصن .. جازاه الله عن المسلمين أجزل الجزاء ..
أجل لقد أحب النورسي نفسه بشغف، إذ اختار لها من اللذات الأبقى، وآثر لها من النعم الأدوم، وأحب أمته، إذ انحاز إليها حين تفرقت العصب وتعددت المسالك والأحزاب ولم يخذلها، وتجند بروحه وبفكره ينافح عنها، ويدفع عنها، ويمعلم لها الطريق بما تنزف به روحه من وهج، وأحب الإنسانية وصاول عليها ضد انتهاكات المدنية الرأسمالية بروحيتها الماكرة.
من عرف نكهة اللذة الطبيعية البشرية فهل يعني ذلك أنه قارفها؟
سؤال نتجرأ على طرحه ونحن بصدد تمحيص جانب آخر من طوية النورسي رحمه الله ودخيلته، هو الإنسان الريفي الذي لم يكن ينتقص من قوامته الرجولية شيء، لا على صعيد الخلقة ولا على صعيد التجربة الحياتية الفتية التي عاشها.
إذا ما تفحصنا سيميا الصورة الفوتوغرافية الشبابية التي استقرأنا خطوطها سابقا، فلا شك سنجد أن جملتها وتفاصيلها تؤشر لانفتاح شهي على الحياة وتواصل رخي معها، إذ خطوط تلك الصورة وملامحها وأبعادها الماثلة والمرتسمة تستجمع كل آثار الهناءة والإمتاع والخلابة المظهرية من شباب وجمال وأناقة ومقامية..