ولا جرم أن يدشن النورسي فتحه لحاظرة اسطنبول بالإشهار عن تلك القوامة المعرفية وتلك الخيلاء التي يورثها للمثقف المسلم تشبعه بالعلم وتمرسه بالفذلكات الفقهية والاجتهادية. يومها لم يكن من بد على الدوائر المتهافتة أمام عتبات السلطان إلا أن تدفع عنها الخطر الداهم والذي مثله ظهور شخصية النورسي النبوغية بينهم، فما كان من تلك الدوائر إلا ان تحيك للشاب الألمعي وصمة الجنون، وقبل ذلك بفترة قليلة كانت تلك الدوائر نفسها تقريبا قد حاكت للأفغاني المؤامرة التي أقصته وجعلته يعيش تحت طائلة الموت البطيء.
أما بعد أن طلق النورسي السياسة وعاش العزلة، فقد رأيناه يحيا بكامل التبتل ويستجمع في سلوكه سماحة انتهت به آخر الأمر إلى حد أن يغفر لخصومه ويتجاوز برأفته عن ظلمهم.
بل لقد كان يحض الأتباع على اصطناع تلك السماحة مع خصومهم السياسيين والمتنفذين ممن كانوا يجتهدون في تضييق الخناق عليهم والتنكيل بهم، وكل ذلك تساميا منه والتزاما بمشروعه الحضاري الذي لا يسع النفس معه إلا أن تكبر وتسمو - كالبحر - فلا يعود يكدرها ما يعرض لها أو يصيبها من أوزار الغير.
أما الخصوم (الأسوياء ؟)، فقد شذوا عن الدين، وألقوا الخلافة، واستبدلوا الحرف، وغيّروا الملة والآذان، واستبدلوا الهيئة والوسم، وجردوا الأمة من لباس الحشمة والستر وألزموها لباس العري والفساد، واعدموا المعارضين وزجوا بهم في السجن، وتفرعنوا وتألهوا ورفعوا التماثيل وحرروا البغاء وأهدروا المقدسات.. أليس هذا في كليته وفي جزئياته مازوشية مأساوية فظيعة، أم هو مجرد عنفوان اقتضاه الحكم والسياسة والتفرعن؟ أم أن المازوشي هو من تعفف عن الآثام وتسامى عن الهراش السياسي وأدبر عن ولائم الأهواء وقال للناس: حسبي الله؟
إنهما خطان متوازيان ومذهبان نقيضان محكومان ببواعث متباينة وخلفيات متغايرة.