ثم ألا تكون خصومته مع المحيط السياسي الذي انفصل عنه وشق لنفسه طريق الزهد والعكوف،هو وجه عدواني سافر، إذ أخذ سبيلا من التحدي والتمادي غير معهود؟ ألا تكون عزلته وصيامه المادي والفكري مازوشية ؟
إن السادومازوشية - كما أسلفنا - شذوذ تعذيبي، لا يبرأ ضحيتها من نوازع إجرامية. وإذا ما افترضنا أن النورسي كان حاملا لمركَّبِها، فلنترصد أحواله ولنقارن بين حاله وحال خصومه الذين نتوقع أنهم كانوا بعكسه أسوياء وأصحاء.
أجل، لقد تحول مجرى حياة النورسي، إذ انعطف بمصيره خارج الحلبة بعد أن رأى المسيرة السياسية تخون عهودها وتبيت على الخروج عن الموثق. فالتحول الموقفي هذا مبرر بما لا يترك مجالا لريب، فهو مبدئي ولا يمكن أن يكون مرضيا أو ناتجا عن صدمة.. تشهد على ذلك الأنشطة والمساعي الإصلاحية والجهادية التي أتاها منفردا أو ضمن حركة الاستقلال وما تلاها.
فالانعطافة الحادة والجذرية قد حدثت في الحقيقة على مستوى المتغربين، إذ قلبوا ظهر المجن للمبادئ والمقدسات التي رفعوها وساروا بالجموع نحو تحقيقها، وتبنوا أخرى غريبة كل الغرابة عن روحية الأمة لأنها ببساطة مستوردة عن مدنية الغرب .
قبل تلك المرحلة عاش النورسي فارسا كما أسلفنا يتحدى بمعارفه ويناظر بعلمه، وذلك سلوك - كما قررنا - يتبرر بالنبوغ الذي جعله يبز العلماء وهو مراهق، ويتبرر بالنهج التراجحي الذي كان إلى ذلك الوقت رياضة تنافسية علمية يجتازها العلماء ويتعاطونها ويتباهون بها أينما حلوا أو ارتحلوا، والدافع الخفي كما رأينا هو المطمح الإفتائي الذي لا يتهيأ في الثقافة الإسلامية إلا لذوي التفوق.