تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

.

على أن أهم ما تخلص إليه المدرسة النفس - تحليلية، هو اعتبارها الابداع نفسه، وبشتى مظاهره، مسرحا تعبيريا يعكس في تجلياته نشاطا سادو - مازوشيا تنطوي عليه حياة الفنان وتعكسه مواجده على نحو من الأنحاء.

هذا بالتقريب هو الإطار التصوري الذي تصدر عنه النظرية التحليلية، فأين يا ترى يقع النورسي رجل الفكر القدسي والزاهد الورع والاستراتيجي الحكيم من هذا الإطار؟

لا مراء أن تقزيم شأن الأفذاذ وتحجيم تراثهم الفكري والديني، وتعليب أطوار حياتهم الحافلة ضمن هذه المعادلة الساذجة يعد تقزيما للعقل الإنساني نفسه، وتسطيحا للرؤية، وتتفيها للحياة نفسها، من حيث إرجاع الظواهر جميعا، بسيطها وجليلها، إلى قانون نفسي واحد، هو عقدة الليبيدو الباطنية..

النورسي - وقد عاش مزامنا لفرويد تقريبا - نظر إلى الشخصية من زاوية النفس الأمارة، والنفس المزكاة (قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دسّاها)(1). وأناط فعل الإنسان بتراجح منزعي الخير والشر في هذه النفس، ونظر إلى الشر والخير، ليس بمنظور الليبيدو والغريزة، ولكن بمنظور مركب، بعض محدداته جِبِلِّية، والبعض الآخر مكتسب. فيه الإرادي وفيه القدري، وتلك هي نظرية القرآن العظيم التي لا تختزل المركبات في علامة واحدة، وترجعها لعلة واحدة، إلا من حيث إثبات الخالقية .

لكن هل حقا يعد النورسي مازوشيا لأنه قمع نفسه وأرهقها بالعبادة والتسامي؟ وهل شأنه في هذا الصدد هو شأن يسري على عامة الأتقياء؟

النورسي بكاء كما قررنا في غير هذا الموضع، والبكاء – على ما رأينا - انفعالية سوية ضافية يتصافُّ بها النورسي مع العظماء وفي مقدمتهم الرسل والأنبياء. فلا مجال لنا أن نعد تلك النزعة فيه انحرافا موصولا بمازوشية ما تتلبس نفسيته.

(1) سورة الشمس:9-10

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٥٢