بل إن أمر إسقاط نظريات التحليل النفسي قد طفقت تشمل الظواهر والعلائق التي تتجاوز نطاق الأفراد. لقد ظلت مثلا الرؤية الرأسمالية - خلال مراحل الاصطراع الإيديولوجي - تنظر إلى الشيوعية وما اتسمت به من تقشف ظاهري وإشاحة عن الترف الاستهلاكي، على أنها ظاهرة مازوشية تترجم عن نفسها في صورة انقياد سلوكي جماعي غير سوي.. ونفس هذه النظرة النفسية نجد البعض يُقَوِّمُ بها حياة الرهبنة والزهد الدينيين. بل إنهم ليَصِمون كل مسلك يجنح إلى التسامي عن الشهوة، بالمسلك المازوشي، بل إنهم ليقرون أن تعاطي الاشباع الشهوي ذاته إن هو إلا وجه من المازوشية يأتيه الإنسان من غير ما وعي .
كيف للثقافة النفس - تحليلية أن ترد كل هذا وذاك إلى مركب واحد، هو المازوشية (تعذيب الذات) من دون أن تقع في الارتباك المنطقي ؟
لا مناص لنا من أن نشير أولا إلى معنى المازوشية من خلال هذا التعريف الذي نجمله لها في التالي :
المازوشية عند التحليليين، وفي مقدمتهم فرويد، هي تنفيس عدواني وقلقي ناتج عن شحنة غريزية مزدوجة - سادية - مازوشية - تنشط داخل سرادب الذات. ولما كانت السادية هي التواصل العدواني مع موضوع خارج الذات، أي مع آخر، فإن بنية المازوشية هي من بعض الوجوه ضرب من السادية الذاتية، من حيث كونها عدوانا يستهدف الذات نفسها، لا الآخر(1)
(1) لقد رأت الفرويدية- وهي تطور المنظور التحليلي - أن غريزة الموت كما تتجسد في نفسية الإنسان، تظهر من خلال مستويين من السلوك، المستوى الأول تمثله دينامية عدوانية نشطة تتجه نحو الموضوع الخارجي وتكون عندئذ نزعة سادية، والمستوى الثاني تمثله دينامية عدوانية نشطة تتجه نحو ذات الشخص، فهي عندئذ نزعة مازوشية. فظاهرة تعذيب الذات هو المازوشية وظاهرة تعذيب الغير هو السادية.
على أن الفرويدية أوجدت بنية أخرى ترجمت من خلالها السلوك السادو- مازوشي، وذلك بتمثلها للبنية السيكولوجية للإنسان على أنها أنا وأنا أعلى وهو. وبحسبها أنه إذا كانت وظيفة الأنا الأعلى لدى الفرد الشاذ تبدو توفيقية تكييفية، فهذا لا يمنع أن توجد في دهاليز النفس مستويات نشطة من الصدام المازوشي.