لقد أوشك قطاع معتبر من الصور الذهنية والاستعارات التمثيلية أن يتنمط في صيغ، كان مؤشر الارتكاز الدلالي فيها هو الجندية. ولو شئنا أن نسوق عشرات الأمثلة إثباتا لهذه الحقيقة لفعلنا، غير أننا نكتفي بهذا المشهد الوجودي الذي صوّر فيه النورسي حركة المواليد والوفيات في واقعنا الحياتي كما تمثلتها مخيلته صدورا عن معينه الوجداني الثابت، يقول :
"على الطريق.. وطوال مدة السفرة كلها، نرى سوقا إلى الجندية يتم في فرح وابتهاج وسرور، تلك هي التي تسمى بالمواليد، وهناك إعفاءات ورخص من الجندية تتم في فرح وحبور أيضا، وسط تهليل وتكبير، تلك هي التي تسمى بالوفيات " (1).
بل لقد كدنا أن نجده لا يتحدث عن الخالق عز وجل - لا سيما في مواقف التدبر والتوحيد - إلا من خلال تمثل إستعاري مادته القيادة والحاكمية. إذ لا يكف يرى الله بعين الملك والسلطان والقائد والحاكم " المالك الحقيقي لهذه المملكة "..
فالخيال عند النورسي، يمتح في هذه المواقف التي يتواصل فيها مع الله، من روح تملكية، حاكمية، تخضع وتسيطر وتستولي، إذ لا تكف صوره تراوح في التمظهر والتلون بين أحوال القوة والقدرة والتمكن، وكلها أحوال كان الجندي والجندية بتفاريق رمزيته مادتها الإعرابية والتعبيرية.
(1) اللمعات: 179