تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الخيال المشبع بالإيمان لا يرى في مقدرات الكون ولذائذه مجرد ثراء استهلاكي وشهوات عارية مبذولة أو متعززة، وإنما يراها نعما معنوية وحسية تستلزم الحمد وتقتضي الشكر وتستوجب التنزيه .. تنزيه خالقها والمنعم بها عن الشرك والندية.

إن التجنيح الرومانسي دائم الحركة، دائم السعي وراء الجدة، لا يقر له قرار، ينشئ الفراديس ثم لا يلبث أن يهدمها، لأن النفس في رحابه لا تفتأ تهفو إلى فراديس أخرى أكثر جاذبية وأشد سطوعا، إذ له كل ساعة شأن، بل كل لحظة توق، فلا غرو أن تنطبع على بسمة الرومانسي تلك الحدادية الأليمة التي لم يستطع تفاؤلهم المفتعل أن يغطيها ويموه عليها. لأن الإحساس بالفاجعة يدمرهم، فهم يواجهون - دون جدوى - لاشيئية الحياة بإدمان الأسى والهروب من الواقع. أشبه بمن أعضل به مرض، فلا مناص له من مورفين متجدد تنسيه التباريح.

3-المخيال يمتح من حقل الجندية

أشرنا في سياق سابق إلى أن ملكة التمثل عند النورسي قد ارتبطت بمحور ذهني رئيسي ظلت تمتح منه أهم عناصر تعبيرها وتشخيصها، وهو محور الجندية..

فالجندية - كما أسلفنا - حقل إعراب وتمثُّل مركزي في خيال النورسي ومخيلته،

ولقد عللنا في ما سبق سبب هذا الارتباط الباطني بالجندية، بكون الجندية كأفق رمزي ووجداني كانت تنسجم مع طبيعته الفتية وروحه المنضبطة والفعالة، كما أن الجندية ظلت دائما - ولا سيما بالقياس إلى الفرد العثماني- الإطار الأمثل للقوة والاقتدار والرفعة، فلا عجب أن ينطبع مخيال النورسي بتجسيدات الجندية ومرموزاتها، فلا يكف خطابه عن استدعائها والصدور عنها على نحو ثابت ومتواتر..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٤٦