تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالخيال في عبوره إلى شاطئ الانفساح الروحي وهروبه من ضنك الواقع المعيش لا يخلق الفردوس المفقود الذي تمرح فيه الروح على هواها، ولكنه يعاين الفردوس الناجز الذي ابتدعته يد الخالق وشادت مقوماته على أكمل ما يتصور "إن قلم التجميل والتحسين الذي يبدع نقوشه في وجه الكائنات، يدل بوضوح على جمال أسماء مالك ذلك القلم المبدع" (1).

في حين يجنح خيال الرومانسي إلى الابتداع الذاتي أو خلق عالم الذات من خلال استحضار ما تفتقده الذات في عالمها الحسي، الواقعي، من محسنات وزينة خيالية تنفيسية. ولا يتأتى ذلك لها إلا بالإبحار في محيطات النفس الشغوف بالهدم وبإعادة الترميم والتسلي بالنزوات التي لا يشرطها - غالبا - ثبات أو منطق أو وضوح دلالة.

فالعوالم التي يبتدعها الرومانسي هي عوالم الذات، عوالم مشروطة ببواعث وأحوال نفسية يعيشها الرومانسي، مرتبطة بما يجده من ترف واستطراف أو بما يستشعره من حرمان ونقص وقصور وجوع وظمأ وحاجة. إنها محض تهويمات دوافعها الاستعاضة الحسية الكبيتة..

أما التجنيح الخيالي عند النورسي فلا يقوم على التعويض الذهني والسيكولوجي الغفل من أبعاده الموضوعية، ولكن على دعامة الإثبات الروحي والبرهان العقلي الذي يلحم النفس بالحقيقة ويكفل لها النجاة من محنة التيه، ويمدها بما يزين لها الوجود ليس كتجربة محدودة في الزمان والمكان، ولكن كخلود وكحياة أبدية وكمصير ومسؤولية تجاه النفس وتجاه الإنسانية وخالقها.. وكطريق مسلوك ومعاد حتمي..

إنه تجنيح روحي يُطَيِّبُ للنفس المقامَ الأرضي من حيث كون الأرض هي الحقل والبيدر الذي تنال منه الإرادات والعزائم على قدر اجتهادها وحدبها من المغانم التي تقطع بها الطريق إلى الآخرة، وذاك ما تسلس به الحياة، إذ تتفتح أبواب الخلود في وجه الإنسان.

(1) الكلمات818

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٤٥