تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"عندما تنطلق المعاني من القلب تنفذ في الخيال مجردة من الصور وتكتسي الأشكال والصور هناك. والخيال هو الذي ينسج دائما ولأسباب معينة، نوعا من الصور ويعرض ما يهتم به من الصور على الطريق، فأيما معنى يرد فالخيال إما يلبسه ذلك النسيج أو يعلقه عليه أو يلطخه أو يستره به، فإن كانت المعاني منزهة ونقية، والصور والأنسجة ملوثة دنيئة فلا إلباس ولا إكساء، وإنما مجرد مس فقط، فمن هنا يلتبس على الموسوس أمر التماس فيظنه تلبسا وتلبيسا، فيقول في نفسه "يا ويلتاه، لقد تردى قلبي في المهاوي، وستجعلني هذه الدناءة والخساسة النفسية من المطرودين من رحمة الله، فيستغل الشيطان هذا الوتر الحساس منه استغلالا فظيعا"(1).

2-خيال النورسي .. الحركة واللون والدلالة

المشاركة الوجدانية تتحقق للرومانسي فتتحول الطبيعة في خلده حضنا يعانق، وذراعا تضم، ومرهما يمنح الشفاء إلى حين، لكنها مع النورسي مشاركة تَحَنُّفٍ من جنس سلوك أهل الله، منوطة بخلفية روحية إيمانية، فهي تأمين على دعاء السحر المنبعث من الكائنات الساكنة والمتحركة في الطبيعة، وإقرار بمشاهدة عيانية وقلبية للخالق، وليس بحثا وضلالا وميوعية مشرب تواجدي غير قويم .

إذا وجد الرومانسي في فسحة خياله عوضا عن خسائر واقعه وبديلا عن محتبس روحه في هذا الواقع الذي لا يتيح له أن يحيا على هواه ومشيئته، فإن النورسي أيضا يجد في خياله الخلاق ارتكازا خارقا وسندا باهرا يعبر به إلى عدوة الطمأنينة كلما نهشه ألم الواقع وعضته شراسة الحياة المناوئة لمطامحه السرمدية.

لكن النورسي يختلف عن الرومانسيين في هذا الارتحال بالخيال من واقع جحيمي إلى واقع رحيمي، من حيث أن خياله منوط أبدا بخالق يمسك في يده ريشة لا تفتأ عين النورسي ترى ابداعاتها كلما رهف فيه الإحساس تأملا أو تألما.

(1) الكلمات.304

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٤٤