تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالشعرية الحديثة تلقى التنويه متى أفلحت في تعميق الجرح ومتى ما شردت بالحس والخيال خارج المعقولية وخاضت بالنفس أقصى تخوم الغرابة واللامتوقع..

هكذا يتمادى القلق الوجودي بإنسانية هذا العصر فلا يروقها إلا أن تمضي على لجة المفاقمات، أشبه بمن يتداوى من السم بتجرع مزيدا من السم.

خيال النورسي مجنح طليق، ليس له حدود إلا حدود الإيمان الفياض، ينفذ إلى آفاق النفس فلا يرى إلا إبداعات خارقة انتسجتها قدرة الله لتوجد الإنسان، هذا المخلوق الذي توجت به الإرادة الإلهية قمة هرم مبتدعاتها التي لا تحصر.

وهو خيال ينفذ كذلك إلى عوالم الشهود فيجد لعناصرها وطبقاتها مواقع وطوبوغرافيا على خريطة الإيمان، وينشط فلا يفتأ يلون المشاهد بألوان القلب المؤمن، تستبد به المفاتن الكونية فلا يسف وإنما يمضي في تنزيه البارئ الذي خلق فسوّى ..

خيال يتعشق الجمال فيلهج بلذاذات تسابيح قدسية تغدقها الروح تنويها بكمال البديع خالق الجمال. وقد يتشنج الوجدان وقد تحتدم الخلجات وتطبق على النفس سحب الحيرة والقلق واليأس والقنوط، فلا تحملها تلك الحال المتسللة إلى النفس أو المنبعثة منها بتاتا على ثورة أو تمرد أو تطاول أو اجتراء على الخالق - سبحانه - ولكن الروح تتسور على حبل الاستخارة والإيمان إلى قمم المشهد، وسرعان ما يأسرها ذلك الوجه السبُّوحي الذي يطلع عليها من ثنايا غيوم الإحباط الأرضي، ولا تلبث الأغصان أن تتبرعم بما يهبُّ عليها من نسائم الإيمان.

كلا ليس الوِرد(1) هو نفس الوِرد. وليس من انغرس خياله في أرض الإيمان بالله وضرب بجذوره في أعماق اليقين، كمن استنبتتْ روحَه قماماتٌ لا صلابة لها ولا أرضية تشدها، فمصيرها - حتما - الموت الباكر والاختناق بالتفحم والتكلس والانغمار تحت الأحمال.

(1) نقصد المورد ومجال الارتياد والسياحة.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٤٣