خيال النورسي يستقرئ الأبجدية الماثلة أمامه في المشهد الكوني، ويتملى فيها وجه الله، إذ الموجودات هي خطوط براها قلم الخالق وأوكل بها أسماءه الحسنى، كل ماهية مناطة بما يتجانس مع طبيعتها وطابعها الذي يحمله الاسم الرباني المحالة عليه. سنة الله التي جسدت على ذلك النحو قيوميتها وحضورها وسيطرتها وعلمها ومطلقيتها.
الواقع أن خيال النورسي يعد من هذا الصدد بصيرة لا بصرا فقط، فهو خيال يستقرئ الكون بكامل التأدب والتنزيهية، نشاطه عبادة وتسبيح. ولا يستبعد أن ينساق الخيال الشعري بالنفوس العاطلة من الإيمان مساقات تيه وضلال فهم في كل واد يهيمون .
وإذا تلطفنا مع هذا الخيال الشعري الرومانسي قلنا إنه يمضي بالنفس في سياحة من غير دليل. إلى أين؟ متى تكون العودة؟ ماذا يلزم من زاد؟ ما الجدوى من ذلك؟ ثم لا شيء من هذه الاسئلة يلقى الجواب على صعيد استشرافيات الرومانسيين.
إذ السياحة الشعرية عندهم هي مغامرة وإبحار وراء المجهول والعودة حتما من المتاهات صفر اليدين أو ما يشبه ذلك الحال.
فالحيرة الشعرية الرومانسية لا تعكس الحيرة الوجودية فقط ولكنها تماثلها، من هنا عاش الرومانسي وطأة العنت الوجودي، ولاذ أحيانا بالانتحار مخرجا من العذاب(1).
فقد انتهت القناعة التقويمية المعاصرة إلى التأكيد بأن الشعر الذي يغلق القوس ويجيب عن الأسئلة ويُسَكِّنُ غلواء الحيرة إن هو إلا ضرب من الخدر، أو هو شعر معطوب الخيال واهن الحمية التثويرية التي باتت نفسية الإنسان المعاصر تشغف بها.
(1) ندرج أسماء مثل رامبو، بو، وهيمنغواي والقائمة تطول ليس فقط في حقل الكتابة، بل في سائر الفنون .. إذ أن نشدان الحقيقة الذي يؤرق المبدعين، لا يغذي عند الكثيرين منهم إلا روح التفجع التي تنتهي بهم إلى الطريق المسدود.