وجنحت الملكة بالصُّنَّاع ومحترفى الفن فخاضوا غمار التجريب وانتهوا إلى ألوان ما بعد العقل وما بعد الحداثة وإلى ما هنالك من التصاميم التي نفذها الخيال الابداعي المعاصر، وكانت المحصلة النهائية لكل التجارب والفذلكات هي استمرار اشكالية فردة فريدة معلقة، يجترها الإنسان ويكرر التجريب فيها، ريشة وشريطا وازميلا..
إنها اشكالية الإنسان وحيرته في هذا الوجود.
ذلك هو النطاق الذي غطته المخيلة الإنسانية على مدى تبلوراتها عبر الأعصر والحضارات. وكان لذوي الارواح والاستشرافات الروحانية إسهامات في تخصيب اللوحة الابداعية الإنسانية من خلال ما أغنوا به الفرضية الوجودية الأم : الإنسان من أين وإلى أين ؟
إذ بفضل ما تهيأ لأهل الاستشراف من خيال استطاعوا أن يلونوا المشهد بأصباغ ميتافيزيقة أكسبته نكهة، لكنها نكهة افتراضية لا تسكن لها النفس..
إذ ظلت حيرة الإنسان غصة تربض على عتبة حلقه، فلم ينفتح للإنسانية بها باب، ولم تحظ بالكشف. ومضت تمضغ المرارة بذهول.
لا ننكر أن خيال النورسي خيال مجنح بطبعه، بل قمة في التجنيح. فهو خيال يعد على صعيد الشعرية فاعلية من الطراز الأول، لكن هذا الخيال قد تريض بدينامية روحية تمثلية أعطته فاعليته المتميزة والتي استطاع أن يجسدها على صعيد النجوى الروحية والتعقل القلبي والاستبصار الإيماني.
قد يقول قائل أن حال أهل الاستشراق الصوفي لا يشق لهم غبار في مضمار التمثل وإضفاء علائق سيميائية على المشهد الكوني بحيث غدت الآصرة بين عالمي الغيب والشهادة عديمة، إذ أن منطق الوحدة - شهودا أو وجودا - جعلهم يعدمون الفارقية بين الموجودات والمشهودات، الأمر الذي أشكل على العباد، إذ شق عليهم أن يتبينوا حقيقتهم الوجودية - ككائنات - في هذا النطاق الإشاري الاستشراقي الذي لا يسلم في التحليل الأخير من حلولية.
خيال النورسي لا يرمم ولا يهدم ولا يحول الأشياء عن مواضعها في صفحة هذا الوجود .