تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الصورة (1) هنا فوقية وعلى مهارة تشخيصية فائقة، فهي من ثمة صورة تجرف النفس وتلقي بها إلى حلبة التأمل والتفكير، من خلال ما هيأته لها مهارة اللقط التي سجلها لها النورسي، وفاعلها بحس تخيلي تمثلي وتركيبي، يدمج العلائق والأبعاد في رؤية قرآنية هي عين الله التي يصغر أمامها الشاخص العظيم ويكبر الحائل المطمور.

" فهذه الأرض لها ألوف الرؤوس، ومئات الالوف من الألسنة لكل رأس. ولا شك أن لها ملكا موكلا بها يناسبها، يترجم أزاهير تسبيحات كل لسان وثمرات تحميداته التي تربو على مائة ألف نمط من أنماط التسبيح والتحميد، يترجمها ويبينها في عالم المثال، ويمثلها ويعلن عنها في عالم الأرواح " (2).

فالنورسي يعرف كيف يلقط الكائنات المشهودة في مسرح الكون ليس عن جوارية وقرب فحسب، ولكن عن انفصال و بُعْدٍ كذلك، بُعْدُ الكلية والإحاطة لا بعد الظنية والتقريب.

" إن الكرة الأرضية مأمورة وموظفة من لدن الفرد الواحد .. وهي كالجندي المطيع لله الواحد..فحينما تتسلم الأمر الصادر إليها من آمرها.. تهب منتشية، وتنغمر في جذبات وظيفتها .. وتدور كالمريد المولوي العاشق - عند قيامه للسماع - فتكون وسيلة لحصول المواسم الأربعة.."(3).

ذلك لأنه يعرف كيف يجعلك تقرأ ما يقرؤه هو في لوح الطبيعة، ويحملك بلا عنت على أن تؤَمِّن بلا تردد عما يضع أمامك ويعرض عليك.. وذلك لأن خياله التشخيصي قد تمرس بما يمكن أن نسميه مجازا المخيلة القرآنية ذات الدينامية التجسيمية الحية. أنظر مثلا كيف عالج دعاء الحمد لله في كتاب "الكلمات" (4)، أو كيف شخص الكرة الأرضية ونظر إليها على أنها عاقلة:

" الله أكبر تطلقها الكرة الأرضية كأنها إنسان ضخم"(5).

(1) بل نعترف أن هناك من الأمثلة ما هو أبلغ في التعبير عما قصدنا إليه، وبالوفرة التامة لمن أراد أن يتفحص هذا المستوى من التعبيرية النورانية.

(2) الكلمات 178

(3) اللمعات.548

(4) الكلمات450

(5) اللمعات 194

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٧٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٧٣٩